الخميس، 10 ديسمبر 2009

المادة 107 من قانون الإجراءات الجنائية بين مخالفة الدستور والمواثيق وعدم الإلغاء

المادة 107 من قانون الإجراءات الجنائية بين مخالفة الدستور والمواثيق وعدم الإلغاء

نجم الدين محمد نصر الدين المحامي
عقد من الزمان وآخر انصرما منذ صدور قوانين 1983م الشهيرة بقوانين سبتمبر او قوانين الشريعة كما يطلق عليها الاسلامويون، لم يختلف الناس في شيء او حول شيء قدر اختلافهم حولها، مشروعيتها من عدمها، حقيقة كنهها أشرعية هي حقا ام غير ذلك؟ وتفاوت حتى من يعتبرون انفسهم أشد الناس تمسكا بالاسلام وقيمه في آرائهم حول مجافاتها للاسلامي الصحيح من الشرائع.. وذهب البعض للقول بعدم صلاحية الوقت لتطبيقها.. وتمسك الآخر بصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان. فالقوانين المشار اليها هي حزمة التشريعات التي أصدرها المخلوع بعد اضراب القضاة الشهير والتوقف شبه التام للمحاكم في يونيو 1983م والذي استمر لحوالى مائة يوم كاملة، وكانت البلاد وقتها تغلي غليانا بوجوب انهاء حكم الفرد.. وكان جسم الدولة واهناً واهيا لو توكأ عليه الناس لانهدم، وكاد ان ينهار لولا سكب دماء فيه باستحداث هذه القوانين كآخر سهم في كنانة الدكتاتور وجعبته، بعد ان وجده اسعفها له، فقام بامدائه مدركا ورهطه لعظيم الحرج «الديني والاجتماعي» الذي ينتاب الناس من الخروج عليها او مقاوماتها ومعارضتها، وظلت كما كان يردد مشايعوه ومبايعوه والذين لاتزال البيعة في اعناق بعضهم يقولون وفي تهكم وسخرية ظاهرين: ان هذا هو مسمار جحا بعينه الذي لن يصير من المتأتى ابدا اقتلاعه، ولم تكذب الشواهد هذا والى الآن، رغما عن كل ما سيق. صاحب صدور القوانين جلبة وثأر نقع كثيف حولها وظلت لبعض القوى السياسية الحلم المتحقق الآتي اليها نائمة، والذي ولدهر عجزت عن تحقيقه حال صحوها ويقظتها السياسية وكثير سعيها.
بدأ تطبيقها غريبا وئيدا وعاديا ومنقطع الصلة بما قدره واضعوها والنظام، وما كان يرتجى لها في الحياة السياسية من دور غير ذاك الذي يصاحب اداء الاجهزة العدلية التي ان تم تعزيزها باعلان حالة الطواريء الشهيرة، وكل ما رافقها من عنف وقهر ومجافاة للراسخ والمستقر من القواعد في الحكم وفي الاسلام على المستوى النظري، فتم اللجوء «لاسلام الطواريء ونط البيوت بدلا من ذاك العديل». كما قال الامام المخلوع وقتها في معرض تصديره لاعلان حالة الطواريء، قعقعة بالشنان ودقا للقراف لتخويف العير.. انطوى كل هذا وتم خلع مَنْ كان على سدته وارغم على مغادرة السلطة كارها ولايزال لسخين الدمع ذارف.. ولقد سعى للعودة اليها ثانية ولكن هيهات.. لنستقبل بعده ديمقراطية ثالثة في دورة العجلة اللعينة عسكرية.. استعمار.. ديمقراطية.. عسكرية.. ديمقراطية.. عسكر وحرامية.. وهلم جرا.. وكانت حال البلاد في الديمقراطية من الارتباك في غاية، ولقد سعى الجميع لتأكيد مقولاته حول ما يتعين وما لا يتعين اتباعه من قوانين لينصلح الحكم وحال بلادنا.
لم يفتقد الكثيرون الجرأة للنيل من هذه القوانين بما يعتقدون من اسانيد شرعية تعزز ما يذهبون اليه من قول، ولكن افتقد الجميع مِنْ مَنْ تولى الامر القدرة على فعل شئ يترتب عليه الغاؤها، او تعديلها، او تصحيحها وتصحيح الفهم حولها حتى المحشو فيها بعيد الصلة والاجرائي الذي لم يعرفه القانون الاسلامي، ولم يقل احد بمعرفة الاسلام له بنفس هذا الورود وهذه الكيفية. او وجود اثر او فقه حوله والمعروف ان صياغة القوانين قد تمت على نفس الهيكل القديم، ومن ثم افراغ هذه الهياكل من النصوص التي يشك في صحة نسبتها الى الاسلام، بحسب آراء الافراد والمؤسسات التي قامت بسن هذه التشريعات، وابدالها بنصوص ثابت اليقين حول صحة الرابطة والصلة بينها وما يعرفون من اسلام وهكذا ظلت الهياكل وتم تغيير المكائن ومن ثم كان هذا الجسم القوام.
ولكن ووسط كل هذا فان من اكثر المواد التي ينطبق عليها هذا الوصف لهي المادة 107 من قانون الاجراءات الجنائية لسنة 1983م وهي من شرار ما استحدث من مواد، وكان اثرها على الحياة من كل جوانبها كاملا.. الاقتصادي، والقانوني، والاجتماعي، والاخلاقي، وغيرها.. وما ادراك ما المادة 107؟؟ والتي لا احسب ان احدا من الناس ذي فاعلية وقليل حيوية لم يسمع بها او تمسه او مست او تمس اقارب له او تهدم بيته او بيت جيرانه او جيرانهم وهي تقرأ كالآتي:
1/
لا يجوز الافراج عن المقبوض عليه في جريمة تتعلق بأي مال عام او صك مردود الا بإيداع مبلغ من المال لا يقل عن المبلغ موضوع الدعوى الجنائية او بتقديم صك مصرفي معتمد او خطاب ضمان مصرفي.
2/
لا يجوز الافراج عن المقبوض عليه في جريمة تستوجب الدية او التعويض اذا قامت في وجهه بينة مبدئية معقولة الا بايداع مبلغ من المال يساوي ما قد تحكم به عليه المحكمة او بابراز وثيقة تأمين او صك مصرفي معتمد او خطاب ضمان مصرفي او برهن او حجز عقاري.
وشرحها ببساطة هو ان كان ثمة شخص متهم «مجرد تهمة» بارتكاب جريمة كهذه فانه يتعين عليه وحال تحريك الاجراءات في مواجهته ولينعم بالحرية حتى يصار به الى المحكمة، ان يدفع مبلغا من المال يوازي ما قد يحكم به في مواجهته بنهاية الاجراءات فاما ان يدفع هذا كاملا ويودعه خزينة المحكمة في بادئ الامر او لدى النيابة في ما هو سائد الآن، او يبقى بالحراسة حبيسا الى ان تتم محاكمته.. وتبرئته.. فتأمل!! او ادانته في حالتها بالبراءة يطلق سراحه وعفا الله عما سلف في الحبس.. لم نبتدع بعد نظاما يعوضه ايامه التي قضى بين الجدران سليب الحرية مغلول مهما طال مكثه وان تجاوز الايام لاشهر او سنوات لدى البعض.
إن عدم الافراج المنصوص عليه في المادة 106 السابقة لها في حالة المقبوض عليهم في جرائم عقوبتها الاعدام، او القطع حدا مفهوم في هذه لاتصال اطلاق السراح في جرائم القتل باثارة القلاقل والغليان العام الشيء الذي قد ينجم عنه تعرض المتهم لما لا يحمد من قبل اولياء الدم، خصوصا وهم يرون من يظنون به قتل فقيدهم سيما في حالات التلبس مطلق سراحه، هذا غير الخوف من فرار المتهم من العدالة الجنائية او اخفائه لنفسه وتوسيع دائرة الانتقام والقتل المضاد، مضافا اليه ما يبعثه بقاء المتهم في الحراسة من تهدئة في نفوس آل المجني اليه بان القانون «سيأخذ مجراه» كما يذهب عام القول ودارجه مما يرتب قد ترتب على اثره حالة موافقة على الدية في مجتمع مؤسس على القدرية والعشائرية بشكل كبير» ان كنت لا اجد لها التفسير نفسه في حالة القطع حدا في جرائم السرقة ان وجد في جرائم الحرابة الموجبة للقطع ايضاً بحسب القانون الجنائي الساري.
الملاحظ في المادة 107-1 إنها بخلاف الدستور وكل الدساتير والمستقر من الاعراف القانونية ومواثيق حقوق الانسان، وكل الانظمة القانونية السائدة انها تستصحب الادانة.. بدلا من استصحاب البراءة في قلب للقاعدة التي تقول ببراءة المتهم حتى تثبت ادانته وراء الشك المعقول، وهي درجة على قدر عال من المطلوبية بحيث انه لا يمكن اطلاقها هكذا لان الشك يفسر لصالح المتهم.. فكيف نعاقب مسبقا بالحبس حتى قبل بدء المحاكمة.. دعك من درجة الاثبات واطلاق العبء الثقيل الملقي على عاتق الاتهام.
سعى الناس وبعد قصير أمد من تطبيق هذه المادة وعقب توجيه مرير الانتقادات لها سرا وعلانية وبعد ان انتاشها من السهام الكثير والعديد، للتقليل من ظاهر غلوائها هذا تخفيفا له بالتوسع في التفسير تذويبا لبعض غريب المذاق وحادة في طعمها، حينما تكدس المتهمون في الحراسات زرافات حتى ضاقت بهم على سعتها، فتم ادخال نظام الضمانة بواسطة الشركات المسجلة الموثق والثابت سجلها واشتغلت هذه الآلية هونا ما ولكن آن ما تم الغاؤها ثانية، بذريعة انه قد حدث تركيب الكثير من السنان في هذه القناة وبدا ميل لجعل الزمان ينبت غيرها، ورُكِن ثانية لخطاب الضمان المصرفي الذي الغته هو الآخر سلطات البنك المركزي بعد فترة لم تطل من العمل بنظامه، وهكذا تواصل افراغ الوسع في التحايل على المادة بدلا من الغائها انتهى كله الى بوار.
اجتمعت لجان وانفضت اخرى وغيرها اجمعت على الالغاء والبدائل، وذكر ديوان النائب العام انهم هموا باعداد البديل الصحيح وهم فقط في انتظار الاشارة، تدخلت القوى الاقتصادية الاكثر سيطرة وقدرة لتقول بعدم ابدالها بأي اخرى لان في الغائها كما ذهب البعض تقويضاً لأسس النظام المصرفي وخلخلة لقواعده وبالتالي انهياره بالكلية في سعي آخر لمعالجة النتائج وليس الاسباب.. وتوقفت كل المحاولات فيما توقف، واستمرت المادة في السريان وآثارها في اعادة انتاج ازمة من يقومون بتحرير هذه الشيكات بمقابل او بدونه، ووفاء لالتزام او غير ذلك، والحراسات تمتلئ رجالاً ونساءً في انتظار المحاكمات المتلكئة او تلك التي لا تأتي او تأتي لتتأجل والمخالفة للدستور والمواثيق في ثباتها القديم.. فهل لعثرتها من مقيل؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق