| نجم الدين محمد نصرالدين شارلس، هذا هو اسمه الأول الذي ينادونه به ولا نعلم له اسما غيره، فالناس هنا يعيشون بلا وشائج، وليس ثمة رابط بينهم سوى انهم يأتون وبتعاقب ثلاثة مرات أسبوعيا على مدار العام، ولمدد قد تطول وقد تتوسط ولكنها لا تقصر، فما اطول ما يحتاجه مرضى الفشل الكلوى من أمد زمني، أما العاملون فيأتون على نظام النوبات كل أيام الأسبوع عد أيام الآحاد. كان يأتي يسبقه مرح ملْء جوانحه ولا يفارقه أبدا، رغم دقة الظرف وصعوبة ما يعيش من أحوال، وسيم الطلعة بهيا على قدر كبير من الطول واستقامة العود ودقة الملامح، أقرب إلى سكان الجزر منه إلى الأمريكيين الإفريقيين، في العقد السادس من العمر، وهو ممن يعدون غاية في الشباب والصغر بالنسبة للأمريكيين الذين لهم أعمار الحوت، ضحوك يحاكي طائر الهزار، يدخل عنبر غسيل الكلى بالمستشفى الكبير بالمدينة في قلب الغرب الأمريكى الأوسط وبتلقائية شديدة، يذهب أول ما يذهب إلى ما يشبه خزانة الملابس حيث توجد الشراشف البيضاء المغسولة، فيأخذ واحداً منها يلفه حول كتفه كما يفعل الشيوخ وأصحاب الحكمة فيما ألفنا منذ أن تفتحت أعيننا على الحياة، يقوم بعدها وبالتلقائية نفسها والتفاؤل بقياس درجة حرارة جسمه، ثم يدلف إلى الميزان ليعتليه ويقف على وزنه قبل بدء الغسيل، ثم يعرج بعدها لالقاء تحية شاملة للحضور كله مردفا لها بباقات من الابتسام والمداعبة. يرتدى دوما ازياء غاية فى الانسجام والعذوبة، ابتدا من غطاء الرأس وسائر ما يعلوه تعريجا على القميص وختماً بالبنطال والحذاء، اللون نفسه أو إحدى درجاته بحيث تمر العين على هذا وتتنقل تنقلا سلسا يسيرا، وهي غالبا ألوان تميل الى الفاتح مع القليل من الفاقع، مثلما فعل صبيحة يوم عيد الحب (الفلانتاين) إذ احضر باقة من الورد حمراء وارتدى زياً قانياً كامل الحمرة، شاملاَ ذلك القبعة التي تعلو الهامة ووزع العديد من الهدايا البسيطة المعبرة عن المناسبة للعاملين جميعا نساء حسناوات ورجال وكلهم ممن يكسو لونهم البياض. جل من يأتون إلى هنا متعبون، يأتون وفي صمت ومعاناة مكبوتة يخرجون، الواجب وحتميته هو وحده الذي ينتهي بهم هنا، أما هو فيأتي به الأمل في الانتصارعلى هذا الفشل، إذ ظلّ فيض حيوية كامل ونور الشامة الابرق.... لايفارقه هذا أبدا، بل ينداح منه وفي طلاقة منسحباً على الآخرين فتتبدل عند حضوره الأزمنة والأمكنة، وتتحول من حالة الركون والمرض، إلى حالة العزيمة والمضاء والمثابرة والسمو فوق جراح النفس على دقتها، إذ انّه ينشر إطلالته على الجميع، ولا ينبئ بفعل الشيء نفسه في كل مرة تنسحب فيها أقدامه إلى داخل العنبر. يدخل الغسيل بطقوس راتبة إذ أنه يحضر فى الفترة الثانية أوان الظهيرة موعد تناول الغداء، ومعه وفي كل الأوقات وجبة في صندوق مغلق يحمله فى شنطة غاية في الاتساق مع ما يحمل، وبعد أن يسلم يده للغاسل ويداعبه كثيراً في هذا الأثناء رجلا كان أم امرأة، إذ يقم بوصل شرايين اليد، وأوردتها بهذه الآلة، لينتقل الدم المسموم المليء بالسوائل التي عجزت الكليتان عن إعمال قدراتهما فيه بتنظيفه إلى الماكينة، لتعمل فيه مصافيها العجيبة تنقية من الشوائب بما يشبه المعجزة فصلاً لهذا عن ذاك، وتعيده نظيفاً مصفى ليستقبل بعدها المريض يوماً جديداً، مستبقياً الأمل في ألا تطول جلساته هذه، وأن يمنّ الله عليه بمتبرع بكلية في تمام يسر وعجلة، وما أطول قائمة الانتظار، وما أمض أيامه ولياليه، بما يغدو معه الأمر سجنا اذ يعز عليك السفر والترحال وفق ما كنت تشتهي وتفعل، إلا بتدبير سابق بتوفير وضمان أحد مكائن الغسيل وآلاته في ذاك المكان الآخر الذي أنت ذاهب إليه ما دام الغسيل دموياً كما يصفونه طبياً بخلاف ذاك البيرتنومي الذي يتم في تجويف المعدة بإدخال سائل عالي التركيز في الجسم يقوم بامتصاص السوائل السامة من الدم وينقه. يشرع بعد أن يلقي أشرعته في تناول محتويات صندوقه هذه كمن يقوم بنقش على أحجار مرمر، فالساعات طوال أقلها أربعة وتناول الطعام في أثناء ساعات الغسيل الرسمية أشبه بالأكل في الطائرات من حيث إزدواج غايته، بتقصير الوقت والبعث على الطمأنة واستمرار الحياة وعاديتها، يبدأ بعدها في مشاهدة تلفاز يكاد يكون مسلطاً على الوجه مع سماعات يتم تركيبها في الأذنين، حتى لا يتحول المكان إلى سوق حدادين، ولكن بعضهم لا يستطيعون صبرا فيخلدون إلى النوم إن استطاعوا إليه سبيلاً ولا يفتؤون يكررون المحاولة حتى الانتهاء. كان ما يجمع بيننا انسانيته الزائدة وحيويته وتدفقه وحميميته، والكثير الذي لم نقله، ويوائم ولا يفرق، يبعث إليّ بتحية ملؤها التعاضد والمؤازرة، فأردها بمثلها أو أحسن منها، حيث اخرج مودعاً المكان وأنا كعصفور عبث به صبية حينا وكان مصيره معلقاً بين أيديهم ثم اطلقوا عقاله وهكذا الخارج من الغسيل (مسجون وعندو سراح)، عبرنا عن هذا كله بتبادل الابتسامات المعطونة في الصمت، فكان واضحا متجلياً كلما تعارضت الدروب في الغسيل وتقاطعت، وهي دوما تفعل لاختلاف ورديتينا، شيء آخر هو أننا أبناء مصيبة واحدة (فالصب للصب نعم المواسي)، ولكن فوق ذلك كله لوننا الذي يقل تواجده في مثل هذا المكان المجلل بالبياض إذ يزينه كله فلون الملآت أبيض ولون الماكينات أبيض ولون الممرضات أبيض، فهذا اللون والذي ينبئ عن أصولنا الإفريقية وإن تباعدت خطا أجداده عن تلك القارة، وصارت تفصلهم آماد من الزمن وأجيال من العبودية، عاشوها نازخين تحت نير الرجل الابيض بقسوته ولا انسانيته وتجرده وسلاحه وسطوته، فترك فيهم ذلك كله جرحاً عميقا غائراً أبدياً، ظلّ يلازمهم من حينها، ويسمِ حياتهم كلها ويرثونه كابراً عن كابر، وتحن دمائهم إلى ذاك الدم الإفريقي الحار الذي ضاعت منهم خيوطه ومفاتيحه ومعالمه، فيظلون مشدودين إلى ما تنتجه الآلة الإعلامية الضخمة عن ضرورة الاعتزاز بأنهم أمريكيون، وأنّهم الآن سادة الكون وقادته، وإن ضربهم الكساد والمسغبة وأورثتهم أوضاعهم الحالية سخط العالم وحنقه خصوصاً بعد أن تمّت مهاجمة بلدهم في الحادي عشر من سبتمبر، حيث غزوة مانهاتن كما يصفها من قاموا بتنفيذها بالطائرات التي استخدمت قنابل فجرت بها الابراج والمباني والتي شكلت علامة فارقة في تاريخهم، ودخولهم في حرب العراق التي اعادت مشهد حرب فيتنام في السبعينات كاملا، والتي هي من الحروب الأطول في تاريخهم الحديث، وتكلفتها التي تبلغ خمسة آلاف دولار في الدقيقة الواحدة طوال هذا الزمن الذي يشكل عمراً منذ اندلاعها، والأرواح العزيزة الغالية التي حصدت فيها بمقاييسهم التي قاربت الآلاف الخمسة، بخلاف الموتى والمعطوبين جسديا ونفسيا، وغير مئات الآلاف من العراقيين الذين قضوا في هذه الإبادة مما يشكل وصمة أخلاقية كبيرة عصية على المحو والإزالة. يعاملهم البيض الآن بما يشبه الاعتذار عن أفعال الأجداد بأسلافهم، اذ اكتسبوا شئياً من القيم الجديدة السائدة عصرئذ عن الانسان وحقوقه، وإن كان أسود قادما من أحراش إفريقيا وغاباتها والادغال، أو أصفر آتياً من قلب الملايو مخلوطاً هذا بالارتياب الموروث، بأن الأسود هو منبع الشرور كلها في تجنب تام لإثارة المسكوت عنه في التاريخ الأمريكي القديم. فجأءة انقطع شارلس عن الحضور بعد أن أدمنا رؤيته لعام كامل، وارتوى الكل من لطفه وعذوبته، وبعثه الرجاء فيهم وتعزيز قدرة رفاق ظرفه على الصمود، وإدراك كم هو فى غاية الاختلاف عن الكثيرين الذين لا تحس لهم وجوداً أو غياباً، إذ أنه سيان، فلما تكرر انقطاعه قلت في سري علّه غيّر نوبته في الغسيل وتمت الموافقة له ليأخذ بقية أيام الأسبوع الأخرى في عكس لأوقاته السابقة، وقد تكون أحد الضرورات قد أملت هذا، فلم أحفل كثيراً لكنّ شيئاً في قلبي ظل يقظاً تجاه انقطاعه فلم اقنع بما تصورته، فسألت (جيرمي)- أحد العاملين- عن أسباب غيابه فأجابني في عدم اهتمام: احسبه قد سافر إلى مكان آخر، ولكن لا أدري أين، هكذا كانت إجابته ولم تروِ غليلي. وطفقت ابحث عمن يجيبني إجابة شافية، ممن كانوا قريبين منه لاسيما وأنّ جيرمي قد لزم فراش المرض؛ بسبب آلام في الظهر قد اقعدته. قلت يتعين عليّ إذاً سؤال من كانوا أكثر ملازمة له والتصاقا به، فقفزت إلى ذهنى فجأة شيري، فتاة ثلاثينية درست علم الجينات بجامعة ولاية ايوا بمدينة ايمس، بشوشة مرحة من أكثر العاملين ارتباطا بالمرضى وتداخلاً معهم، تشاحنني كثيرا وتسعى لردم الهوة الثقافية الفاصلة بيننا، اهديتها درة انتاجنا الأدبي مترجمة ترجمة رصينة غاية في الرصانة، فريدة أديبنا الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال ففتنت بها أيما فتنة، وأهديتها كتاب ليلى أبو العلا الكاتبة السودانية الناشئة والمكتوب بلسان سكسونى مبين (المئذنة) فلم يسحرها ويأخذها كذاك الآخر فتلك الرواية بلا نظير، كانت شيري من الذين يحاورون شارلس ويسعدن بصحبته ووجوده في المكان، ويتعدى ارتباطهن به إدخاله في الغسيل أو إخراجه منه عقب انقضاء ساعاته كأي مريض آخر، بل تجاذب لأطراف الحديث وتبادل الأفكار، تواصل إنساني مغرق في إنسانيته، وأخذ ورد. قلت لها ذات صباح ندى إلى أين ذهب شارلس؟ لم أعد أره هل تغير ميعاد حضوره إلى الغسيل؟ فاكتست ملامحها النبيلة بشيء من الحزن حيث ارتسم فور شروعها في الحديث، قالت لي فجأة هكذا... إنه قد رحل عن عالمنا بأسره، ولقد (غشاه ذاك النعاس الطويل وهو كثير إلا من غافل) غارق في نومه، فأخذوه مسرعين بعد أن فشلوا في إيقاظه، إلى المستشفى عقب إحضار إسعاف، فإذا بقلبه قد سكن سكوناً أبديا وظلت روحه الشفيفة في فراق نهائي لجسده المنهك بفعل الغسيل، كان يدافع عن حياته هنا بعزم لا يفل، ولكنها أتته من حيث لم يحتسب حرس تلك البوابة من حياته حتى لايأخذه الموت منها، ولكنه تسلل عبر منفذ القلب فهمد ليأخذ معه الروح، قلت لها لم يخبرنا أحد ولم تتوقف الحياة هنا لنبكيه ونعدد مآثره ولو لدقيقة واحدة، فلقد مضى في صمت كأن لم يكن، فلقد مات ولم يترحم عليه أحد، إنّكم هنا في المستشفى كجنود في ميدان القتال يسقط أحدهم في المعارك فيمضي وتستمر أحوالكم سائرها، كأنه فرع شجرة إنقطع، أو لعلكم الأمريكيين عموما كذلك، تحفلون بالحياة وتعيشونها طولاً وعرضاً ولا يجد الاحتفاء بالموتى مكاناً عندكم، فردت على بابتسامة غامضة وتأملت وجهى قليلاً وساد بيننا صمت ملؤه الشجن والتساؤلات..... وظللت اتمتم في سري مأخوذا الموت حق وباطلة هي الحياة. |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق