الأربعاء، 9 ديسمبر 2009


الصحافة 18/03/2008

عروة ومدني ووجوب تضامن المجتمع المدني

نجم الدين محمد نصـر الدين
حملت إلينا الأنباء، وفي الخلفية أصوات طبول الحرب ضرباً بدفوفها بعد أن تم الإعلان عن إعادة افتتاح معسكرات الدفاع الشعبي، التي ارتبطت بذلك الدفار الشهير الذي أفزع الأيفاع وأسرهم دهراً، وأفقد البعض مستقبلهم وشردهم في الاقطار، كان هذا في الخطاب الشهير الذي اطلقه السيد رئيس الجمهورية بمدينة وادمدني في تصعيد آخر وليس أخير فيما يظهر، في الأزمة الناشبة بين شريكي الحكم التي هي الآن على أعتاب دخول شهرها الثاني، ويبدو أنها مرشحة للإيغال فيه إن لم تتعداه أو تنتهي بإطلاق رصاصة الرحمة على اتفاق السلام الشامل أفضل إنجازات شعبنا منذ أن رفرف العلم ذو الألوان الثلاثة على السارية. يقابل هذا في الضفة الأخرى خطاب السيد سيلفا كير ميارديت النائب الأول للريئس ورئيس حكومة الجنوب، في جوبا عقب عودته من رحلته الأخيرة إلى خارج البلاد، والتي حملته إلى الولايات المتحدة الأميركية وإلى كينيا، إذ أعلن من خلال ذلك الخطاب وفيه أنهم ما زالو على عهدهم بالتمسك بالسلام، وانهم يأسفون الأسف كله لصدور خطاب كهذا عن السيد الرئيس، وأنهم لا ينوون العودة إلى الحرب إلا إذا حملوا على ذلك حملاً، يحتفظون لأنفسهم بحق الدفاع عن النفس إذا هوجموا قال هذا أمام مستقبليه في جوبا بإختلاف سنحهم وألوانهم ومعتقداتهم. هذا المدخل لا بد منه لنقل الأجواء عموماً، قبل الرجوع إلى الأستاذين محجوب عروة رئيس التحرير وصاحب الامتياز لصحيفة (السوداني) الغراء ونائبه الأستاذ نور الدين مدني، الذي خبرته جيداً عندما كان مستشار تحرير لصحيفة (الصحافة) قبيل انضمامه لصحيفة (السوداني)، واللذين قضت محمكة جنايات الخرطوم شمال بإدانتهما بإشانة السمعة في مواجهة جهاز الأمن، وذلك لما سطّره الأستاذ نور الدين مدني عن إعتقال الأجهزة الأمنية لأربعة من الصحافيين ذهبوا لتغطية أحداث كجبار، أداءً لواجبهم الذي نذروا أنفسهم له واتخذوه سبيل عيش رغماً عن ضعف مردوده، قبل وقوع واقعة صباح الأربعاء المخضّب بدماء شهداء المحس الأبرياء من المتظاهرين ضد إقامة سد كجبار، في طريق أوبتهم من التظاهر بعد ممارسة الحق المكفول لهم ولغيرهم بالدستور الانتقالي قيد السريان وقتها وحتى تاريخه (والمصادر بواسطة الإنقاذ)، فكأننا بهم يرجمون بالغيب ويقرأونه أو أن هذا الأمر مبيت أصلاً ومتفق عليه، للحيلولة بين الصحافة والتغطية للحدث، ولكن الله قيّض له من يحملون أجهزة فيديو وعدسات كاميرات نقلت الأحداث حيّة طازجة، وأظهرت الشهداء شهيداً إثر الآخر وفيهم من كان قد قضى نحبه ومن لحقوا بهم بعد حين . كتب الأستاذ نور الدين مدني حول هذا بعموده المثبت بالصحيفة (حديث الناس) وبجرأة يملكها العارفون في هذا الشأن، فتم فتح بلاغ بإشانة السمعة في مواجهته، بوصفه من قام بالكتابة والأستاذ محجوب بوصفه الناشر لهذا المقال. الدستور الانتقالي قيد الانفاذ، الآن والذي استمد من اتفاق السلام الشامل، يكفل حرية التعبير، وحرية الصحافة ويضمن الحق في التظاهر بل يحميه، مما يجعل ما كتبه الأستاذ نور الدين مدني صحيحاً ومبرراً ومنسجماً مع عمله وضميره، ومصادفاً لصحيح القانون، كما كانت تقول أدبيات المحكمة العليا، ويجعل الطعن في صحة قرار المحكمة سائغاً وجائزاً وتمسكهم النبيل هذا بقضاء مدة العقوبة البديلة (السجن شهرين لكل منهما) بدلاً من العقوبة الأصلية الغرامة عشرون ألفاً، والتي كان بإمكانهم دفعها في مجلس مختصر ليعقّدوا مهمة هذه الأجهزة جميعها وليحرجونها، وليؤكدوا على مبادئ حرية واستقلال الصحافة ولينفذوا للقول بأن السجن أحب إلينا مما يدعوننا إليه، إن تفتح علينا البلاغات لتقدّم للمحاكم التي تصدر علينا أحكاماً بالإدانة هكذا، مشفوعة بهذه الغرامات كي نقوم بسدادها ويتكرر هذا الفعل في كل حين، سعياً لكسر شوكتنا (توجد بلاغات أخرى بالكيفية نفسها في مواجهة الصحيفة) . هذا الموقف يحتاج لدعم الجميع، لأن الدفاع عن الحريات سائرها الواردة في الدستور وتلك المضمّنة فيه من المواثيق الدولية والتي أصبحت جزءاً منه بحسب نصوصه القاطعة في هذا الشأن، فرض عين كالوطنية على كل السودانيين وإن عزف البعض عن الاشتغال بالسياسة، فإن هذا لا يعفيهم لأن الإشتغال بالسياسة فرض كفاية كما قال السيد الإمام، ولقد أحسن القراء صنيعاً بالتضامن الذي أبدوه مع الأستاذين تثمينا لموقفهما، هذا واصرارهما الواضح على المضي قدماً فما إبتدآه، وقبلهما أمسكت القوى السياسية بالطريق القويم المفضي إلى الخلاص المؤسس له، بتكوين هيئة الدفاع عن الحريات وصك ميثاقها والاتفاق عليه انتظاراً لتوقيعه وانفاذه، فبدون مثل هذا التلاحم والانتفاض لن يكون هنالك سبيل لإحداث التغيير المبتغى والمنشود، ونرجو أن نفرد مقالاً آخر بل مقالات وعمراً في سبيل إنجاح هذا الجهد، ونأمل ألا يصيبه ما أصاب القوى التي وقعت ميثاق الدفاع عن الديمقراطية إذ تفرّق شملها عقب البيان رقم واحد وحتى الآن، على الرغم من صعوبة الظروف التي أوجدها انقلاب الجبهة ، والمبتغى كله أن نكون على قلب رجل في هذا وألا يثنينا عنه شيء، وأن نتوافر على انجاح هذه المساعي، وتعزيز وتكريس الحريات والدفاع عنها مثل الهواء الذي نتنفسه والماء الذي نشربه والذي نتوق إلى أن يكون صفواً عند ورودنا إياه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق