| لسودان المسرح ومشاهد اللامعقول |
بقلم: نجم الدين محمد نصر الدين
حمى الضنك.. حمى الوادي المتصدّع... الحمى النزفية.. الحمى الصفراء، أو تلك التي بلا لون، ولكن بطعم ورائحة الموت الذي يحصد الأرواح حصداً، ونحن نتجادل بغير الحسنى بين وجودها وعدمه بواسطة أهل الصحتين البشرية والبيطرية، وزيرة الصحة الاتحادية الغائبة أو بالأصح المضربة مع زملائها من وزراء الحركة الشعبية الذين دنا إضرابهم من الشهر أو تجاوزه بمقدار.. السلطات السعودية تصدر بياناً تمنع بموجبه استيراد اللحوم من السودان حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الأسود من الفجر الذي لم يتأكد كذبه من صدقه، الأعراض أشبه بالايبولا في التعجيل بالرحيل أو الإمهال لتلافي بعضا مما حدث. الأرقام الصحيحة وأعداد من قضت عليهم يتم اخفاؤها وتقليصها مداراة للعجز البين في إحداث نتيجة أيّاً كانت، والناس صرعى وعددهم في ازدياد وكل يوم هم في حال. الوسيط (الناقل) هو البعوض أنثى الانوفليس أم غيرها من الإناث؟؟ ام ذكرا هذه المرة؟ هل خلصنا من الملاريا التى كادت ان تخلص علينا؟ حتى يقدم لنا البعوض اللعين خدمة ثانية نحن عنها في تام استغناء، والى ان يتم حسم ما يدور كله ونعرف سبيلاً للقضاء عليها ولو جزئياً وعلى البعوض الذي يأتينا بها، لا يعلم غير الله وحده ما سوف تحدثه فينا وكم ستأخذ معها من أرواح رخيصة، فمن لم يمت بالنزفية مات بغيرها وطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم.
أسعار رغيف الخبز ترتفع ثانية، والمعالجة بإنقاص الوزن، اهل المخابز يتحدثون عن عدم القدرة على استيعاب ما يحدث، فهذه الآن متحققة قبل جفاف مداد تلك، فهم من تتضرر تجارته ويصيبها الكساد والبوار بعزوف الناس عن الشراء، أم أنهم لم يعودوا كذلك؟ ها هي قد زحفت على (تولا) او العزيزة، لن يحدث شيء سيما وأنها ليست المرة الأولى وفي امد بهذا القصر، من الواضح أن المعالجة بالزيادة لم تفعل شيئاً في سبيل جعل ميزان الموازنة في حالة استواء عجز بالكلية عن الوصول اليها، فكي يحدث ذلك يتعيّن رفع الدعم (إن كان) عن هذه السلعة ذات الاستهلاك العالي، خصوصاً ان الناس قد عزفوا عن أكل الكسرة أو القراصة التي حملتهم زيادة سعرها السابقة لهذه على هذا الابتعاد، وهي قد عانت مثل غيرها هذه الندرة، ولقد انقلبت الآية تماماً فلم نعد نأكل أو نشرب مما نزرع، من أين لا أحد يعلم وما من دابة في الأرض إلا وعلى الله رزقها.. ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لأنزلنا عليهم بركات من السماء.
برميل البترول قفز ثمنه قفزة لم تحدث له قبلاً منذ أن عرفه الناس، كادت أن تقص رقبته، وتحمل المشترين للبحث عن بدائل له تفي حاجاتهم، ونحن دولة تنتج مزيج النيل الممتاز وبمئات آلاف البراميل في اليوم الواحد، (علما بأنه لا يعرف عددها الفعلي الا نفر قليل والراسخون)، فلا النيل ولا مزيجه اطعمانا خبزاً، فماذا نحن فاعلون؟ أننتظر الزيادة الثالثة وما تليها من زيادات؟ أدماناً للفرجة على خيباتنا جميعها؟
الأستاذ علي محمود حسنين والسيد مبارك الفاضل المهدي، دخلا فيي إضراب مفتوح عن الطعام عدا الأسودين التمر والماء، لما هما فيه من ظرف صحي، مائة يوم انطوت ومعها خمسها، والدستور الانتقالي سارياً وكذلك سائر القوانين المقيّدة للحريات وغيرها، وهكذا لا أحد يعرف من سرق الفاس مع أنه معروف!! الطلاب الاتحاديون حاول بعض منهم الخروج في مظاهرة سلمية، ولكن هيهات، هذا ليس مكانه هنا وأن زمن المظاهرات قد ولى. قبل اضراب المتهمين عن الطعام صامت الأحزاب وأضربت عن الحديث في السياسية لأول مرة في تاريخها، والحكومة لا تزال تتحدث بالفم المليان عن انها طبقت إتفاق السلام الشامل والتزمت به، وانها لا تزال تفعل ومن يغالط في قولها فليعد قراءة هذا ليتأكد له صدقها.
لعبة شد الحبل لا تزال تتواصل بين الشريكين ولقد أدمى أيدي طرفيه وشارف على أن ينقطع، والوقت يمضي والصراخ يتعالى ويتباهى غلاة المؤتمر الوطني بأن غياب هؤلاء الوزراء من منسوبي الحركة الشعبية لم يصب الجهاز التنفيذي بالشلل المتوقّع والمستحق بسبب من هذا الانقطاع، يقولون هذا بالفم المليان ونقول قولوا لنا دام فضلكم إن كان هذا هو الحال فلماذا الترهل البيّن في الحكومة المركزية وحكومات الولايات؟ والصرف عليها ذلك البذخي الذي أفقر الجماهير وأورثها شظف العيش وضنكه، إذا كان بالإمكان تقليص الوزارات حتى الاتحادية والفيدرالية. حملة طبول الحرب التي وضعوها بعد أن وضعت الأخيرة أوزارها عادوا ثانية ونفضوا عنها الغبار، وشرعوا مجدداً في النقر على هذه الدفوف وهم أسعد ما يكونون، ولسان حالهم يقول ألم نقل قبلاً علماً بأن الشريكيين يؤكدان مراراً وتكراراً على عدم العودة إلى الحرب بمناسبة وبدونها، وقديماً قالوا إن النار بالعودين تزكى وإن الحرب أولها كلام.. فلماذا لا تخرس الأصوات التي تتحدث بهذه اللغة بل يخرس غيرها ويمنع من الكلام المباح ووا ويلتاه إن عدنا ثانية!!
بلغة صاحب (الانتباهة) أخرج السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية رئيس حكومة الجنوب عدداً مقدّراً من الزفرات الحرى، في أحاديثه التي أطلقها في العاصمة الأميركية واشنطون دي سي، وتنفس بعمق، في هواء الديمقراطية الطلق النقي كما يصفه أهله هنا في أميركا، متناولاً الأزمة وغيرها، مؤكداًعلى عدم النكوص أو التزحزح في الموقف المعلن بواسطتهم، إلا في حال كامل الحلحلة للعالق من مشكلات بين الشريكين، وأنه ليس ثمة أنصاف حلول في هذا الأمر. رئيس الجمهورية من جانبه وفي مقابلة قناة (الجزيرة) الفضائية فعل الشيء نفسه، والأفق ملبّد بالغيوم السوداء، والحكمة والرشاد بواسطة الإنقاذ في اجازة مفتوحة منذ أمد طويل، ولم يظهر من المساعي الداعية لهم إلى الاسترشاد إلا تلك التي أعلنها كبيرهم الذي علمهم السحر، وهو الذي شبكنا وعجز عن أن يخلصنا سيما وهو يبحث عن هذا الخلاص مثل الآخرين فهل من معين؟
الحمى التي بلا تعريف دقيق حتى الآن ولا يعرف عنها كثير شيء، سوى أنها وباء امتدت آلات حصده في المغلوبين على أمرهم، ومكابدة العيش وارتفاع أسعار الدقيق التي يبدو أنها سوف تكون بلا نهاية، والحرائق المشتعلة في كل مكان والمرشّحة لمزيد من الاشتعال، ونذر الخلاف التي أطلت لتشب ثانية حول الهجين والعجين، وفشل مؤتمر سرت وتناسل الفصائل وانشطاراتها، وأصوات الطبول التي تتناهى إلى الآذان من مكان قريب.. كل هذه هي مكونات المشهد الأخير في المسرح السوداني.. مسرح اللامعقول.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق