الخميس، 10 ديسمبر 2009

السودانيون والمنافى ((حلقة 4))



السودانيون والمنافى (4)

مبحث فى ثقافة الغربة وغربة الثقافة
نجم الدين محمد نصر الدين
أمريكا أٌنموذجاً
تنفتح صدور المنافى والمهاجر فى وجوه القادمين الجدد اليها وهم يحدوهم بل يسبقهم الحلم ويدغدغ أخيلتهم الامل فى حياة جديدة عامرة تفيض حرية ورخاء وبركة فى ارض الفرص ، ومهد وعد تحقق الرجاء فى عمر جديد لا يكون تراكما لما سبقه وإنما إضافة نوعية له، ومستقبلا مضيئاً فيما يتصورون لزغب الحواصل الذين هم فى ركابهم سائرون غض النظر عن الطريق الذى إختطوه لمقدمهم . والاجهزة الرسمية المؤسسات الفيدرالية والولائية جميعها تكون اول مكرم لوفادتهم ومستقبل لهم لانهم يأتون بترتيب معها ايا كان ، قبل الالتحام بافراد الشعب الامريكى المفتقر كامل الافتقار للانسجام فى نظرته لهم ولمقدمهم الذى لايشكل للبعض يمنا بل لعنة وإحساس ببعث الضيق فيهم ، لان حضورهم سوف يكون خصما على حقوقهم هم وحظوظهم بل وفرصهم المضيقة اصلا ، بينما يرى فيه البعض الآخر دماء جديدة تنسكب فى اوردة وشرايين الجسد الأمريكى الكبير، فهو مجتمع لايزال حافلا بالتناقضات ممتلئ بها مسكون بالعنصرية المتجذرة غائرة الجذور، عصية على الاقتلاع والازالة رغم جهود القائمين على امر القضاء عليها المتصلة الدؤبة وآليات القانون كاملة وجيدة الاعمال والتطبيق، فخلف ذلك تاريخ طويل من الحزلزات والمرارات التى لم يغسلها شئ من تعاقب الازمان ولا دورات الحياة المتوالية ، فالانسان الابيض يعيد مرآه الى الاذهان معاناة الاجداد الطويلة آن إحضارهم مقيدين بسلاسل ا لحديد ملتهبى الظهور لديهم فقط الحرية والحق فى ان يزحفوا شرقا داخل مركب يتجه غربا، لايعرفون وبحسب ابنائهم والاحفاد طوال تاريخ البشرية فترة ولا عهدا او زمانا وحقبة اكثر قسوة وعنفا ودموية وابادة وإستهانة ببنى الانسان امتهانا لهم ، مترافقا معه القضاء والمحو الذين حدثا للهنود الحمر من السكان الاصليين لهذه الاراضى الجديدة . فما يراه الابيض القادم من قلب اوربا نماءا وحضارة تقدما ونهضة وبناء متطاول ، يرى فيه غيره سيرة اجداده وما دفعوه ثمنا لهذا فيما قد لا يلمسه القادمون الجدد ولكنه آن ما ينسرب اليهم وفى يسر تام فما لم يقال لهو الذى يفرق . بالنسبة لاى من تطأ اقدامه هنا للوهلة الاولى فانه حتما سوف يمتلئ دهشة مهما كان مقدار تهيئوه لهذه الحالة وتصوره لما سوف يجد هنا فيما ينقل ويحكى له ، هذا بخلاف اثر ماكينة الاعلام الامريكية الضخمة الدائمة التبشير بمنجزات الغرب وريادته وتفرده وإنفرادهم بآحادية القطب السائدة الآن، خصوصا بعد سقوط الحائط فى منتصف ثمانينات القرن الماضى ، فهم رغما عن كل شئ واى امر امريكيون كما يقولون لك ، ولقد عزز فيهم هذا الاحساس التكالب المرير والوقوف بابواب سفاراتهم طرقا لمداخل القدوم اليهم ، وتكالب وخور الضعاف من الحكام والملوك والرؤساء فى خطب ود حكوماتهم والاحتماء بها إرتماءا فى الاحضان معلن ومكشوف ، لاتغطيه حتى ورقة توت تستر عريه الاثيم بلا ادنى إعتبار لسياسات هذه الحكومات الامريكية ومواقفها وما تطلبه منهم وتمليه عليهم وتحملهم على القيام به وتنفيذه ، حتى لو انطوى على كل المخالفة لرغبات شعوبهم ومن يحكمون . فلو انك اتيت باحدهم من بوادى السودان القصية معصوب العينين وفككت هذا الاسار مطلقا له فى احد اماكن بيع المواد الغذائية الكبيرة المعروفة بكل ما تحويه من وفرة مذهلة فيما لا يكون قد شهد حتما فى حياته ، لظن بحق انه فى حياة اخرى او كوكب غير امنا الارض من كواكب ، فكيف لطاقة خياله القادرة بالكاد على استيعاب محتويات كشك او احدى بقالات الاحياء ان تتسع لشئ كهذا بهذه الضخامة والعملقة كما يطلقون هم من اسماء على هذه المحال التجارية ، وقس على هذا بقية ما يجده القادم الجديد من باعثات الادهاش حتى يعتاد على الحالة ويستوعبها تباعا و رويدا رويدا، والمطلوب منه وفى آنية كاملة ان ينخرط بأعجل ما تيسر فى هذه الحياة ويصير جزءً منها وتغدو حياته قبل تمام استيعابه او بعده ، وتجارب الآخرين فى هذا لاتغنى ولكنها قد تنير الدرب و تفيد قليلا وتجافى الافادة بعض الأحايين ، فلكل ظروفه ومبررات سلوكه وادائه وما يأتى من افعال وحركات وسكنات، ولكن الايقاع العام اسرع مما يتاح معه للتفكير الوقت الكافى والاناة والصبر والروية ، فبعد ايام تعد يتعين عليك ان توقد نارا انت الآخر وتضىء قناديل ليتحلق حولها البعض فالمسكن والمأكل والمشرب والملبس هو ما يتعين الشروع فى توفيره لك وللاسرة وفى فورية لا تعرف الارجاء او يعرف هو اليها سبيلا ، والفواتير هى ما ينتظرك او تتعين عليك مجابهته فى اول شهر تمكثه قبل التأقلم على حالة وجودك ، وهنا منشاْ الحيرة ومبعثها والعصافير ذوات الريش الواحد تسعى للالتئام معا ، كما يقول مثل الفرنجة والتعلم فى الصغر كالنقش فى الحجر وهنا مكمن الخطر والصعوبة فى تسليم الاطفال لانظمة هذه المدارس وهذا النوع من التعليم وتلك الثقافة القوية الجاذبة ، القائمة الاشياء فيها على الاصل الذى هو الاباحة عدا ما يتم تقييده فيما يقتضيه النظام ويتطلبه بمعاييرهم لهذه المطلوبات المناهضة تماما للاخذ بالشدة المتوارث لدينا القائم على الضرب والتعنيف ان إقتضى الامر ذلك ، وهو مما لا يتطلبه ابدا فى العملية التعليمية بأكملها بل بالعكس من ذلك فان الاباء والقائمين على ا مر التنشئة فى الاسرة يحذرون ويؤاخذون وبالتهديد كله ، مستعينين عليهم بإفادات الجيران او المارة او ظهور اثر للتعدى الجسدى على الطفل حتى لو صاحبت ذلك محاولات لاخفاء مثل هذه الادلة ، حد الحق فى اخذ الطفل من احضانهم بغرض تربيته فى بيئة لايمارس عليه فيها اى ضرب من الضرب والعقاب البدنى من اى نوع ، ويحال بينهم وبين معرفة مكانه حتى ...فتأمل !!!... ويوفر للطفل الحق الكامل فى الاستعانة باالقائمين على تطبيق القانون فى مواجهة اى ممن يقومون بضربه مهما كان السبب والمبررات فمن اول ما يتم تعليمه له من حقوق هو الحق فى استدعاء الشرطة بالمغافلة وادارة قرص التيلفون بارقام ثلاثة فقط يتم تحفيظها لهم عن ظهر قلب ،- وهى من اول ما يتعلمه او ينقله اليه من سبقوه ياتى على اثر ضربها قوم لاقبل لاهله بهم ، وقبل ان يقوم من مقامه ذاك فعل آصف بن بلقية فهى اولوية قصوى بالنسبة لهم حتى لا يتمكن افراد الاسرة من تغيير الوضع لغير صالح الطفل المشتكى وهم لا يعرفون فى هذا عقيدة او اعتقاد يمنح او يمنع ، وليس امام الاسرة الا المسايرة فى مثل هذا الضرب من التربية ومعاونته ببعض من تعليم وتربية من ثقافتنا ،على المباعدة الكبيرة القائمة بين طرائق التعليم ومناهجه ووسائله بينهما ، ويعز بالنسبة للكثير من القادمين من تلك العوالم اخذ الاطفال اليها بصورة راتبة لتشريبهم بالثقافة من معينها المباشر ومنابعها الاصلية للصعوبات العملية والمادية التى تكتنف ذلك ، ومن هنا تنبع الحاجة الحقيقية لابتداع وإستنباط وسائل تربوية معينة تمكن الجميع وبصورة جيدة من تدريس اللغة العربية وآدابها والثقافة والتربية الوطنيتين ، وتحبيب ذلك الى نفوسهم والتنادى الجاد لفعل ذلك والا لضربتهم العجمى واكتملت المباعدة بينهم وبين هذه الثقافة والوطن برمته ، و تم تكريس لغربتي "الروح والجسد"بدلا من قصر ذلك على الاخيرة ، فالملاحظ هنا ان الآباء يطالبون الابناء بان يكونوا سودانيين فى سائر سلوكهم وجميع افعالهم ، دون ان يمتحنوا هذه السودنة فيهم او يوفروا بواعثها او يحددوا ملامحها ومعالمها بالنسبة لهم فى مواجهة ثقافة وحياة يومية متصلة وسط الامريكيين وبينهم جل ساعات اليقظة اثناء اليوم ، عدا تلك البسيطة التى يقضونها نياما بالمنزل او ساعات الصحو التى تكون الاسرة كلها فيها فى حالة إنتظام عقد وإكتمال هذاسيما وان بعضهم قد ولد فى هذه المهاجر، او قدم اليها وهو فى سن عمرية دون الوعى والادراك المعين على التفريق فى ادنى حدوده ،
إن الطفل القادم الى هذه البلاد يكون من المتأتى لديه وفى الاحوال جميعا الالتحاق بالمدرسة والانخراط فى التلقى بعد ان يتم إلحاقه اول امره بفصول اللغة الانجليزية كلغة ثانية -English as sec
ond language-
، تكثف لهم فيها برامج التدريس جنبا الى جنب
مع المقرر المدرسى الكبير، الى ان يأتى عليه حين من الدهر يكون فيه قد لحق بركب من سبقوه واهل البلاد الاصليين من اقرانه الاطفال فيكون إستغناء عن هذا البرنامج . والتعليم حتى نهاية المرحلة الثانوية يكون دوما إلزاميا ومجانيا لغير القادرين على دفع التكاليف، بل ابعد من ذلك مدعوما دعما تاما بالبص المدرسى لمن يعيشون على مبعدة ميل واحد من المدرسة ، كما تقدم وجبات مدرسية يومية يتبع فى تقديمها كل الصحى والمرتب من مطلوبات تقديمها ، وهم لايحسبون العام ان كان الطفل قد كان ميلاده فى الثلث الاخير من السنة اى سبتمبر وما بعده يضيفونه الى العام الذى يليه ، وهكذا وتعليم الاساس اثنتى عشر عاما كاملة لايتخللها اى إمتحان "شهادة امريكية" وإنما يتم حساب المتوسط فى السنوات الاخيرة من الدراسة لكى يتشكل منها المجموع الكلى والذى هو وفى حال تمامه اربعة فقط ، يتحدد بعد حسابها مستقبله فى التعليم العالى او الاعلى، وهى مدارس تعيد الى الذهن المتدبر مدارس السودان حين منعتها وانتظامها وامتلاء برامجها وتنوعها وحفلانها ، وكل ما تقدمه للتلميذ فى حياته من تراكم للمعارف والخبرات والقدرات المعينة على الحياة والتغلب على مشاكلها جميعا والتصدى لها فى شجاعة وإدراك تامين بعيدا عن الببغاوية والحفظ للشوارد والمستعصيات الذى يمارسه التلميذ الآن فى مدارسنا ، وهى تحتاج الى متابعة يومية واداء واجبات ، تصاحبها انشطة رياضية وتربوية اخرى عديدة ومتنوعة وموسيقية كاملة ، وتدريبات عالية على العزف بمسارح مثل ذلك بقاعة الصداقة حتى فى مدارس القرى والاطراف والتى يدعى لها الآباء والاسر وتكون اشبه بتلك التى فى مسارح اوربا العتيقة ومعاهد ومدارس الاوبرا ، كما ينضمون لفرق الفوتبولا الامريكية وكرة السلة والتنس والجمباز وغير ذلك من مناشط ، والتلاميذ ينجحون فى الانخراط فور اندراجهم وبسرعة وتلقائية شديدتين تبعث على الحيرة والاعجاب ، وغنى عن الاثارة الحديث عن اختلاطه التام بالطبع فى المراحل كلها منذ التعليم قبل المدرسى ، والذى يكون تخرج باكتماله شبيهة بذاك من الجامعات ، ويتم تشجيع المتفوقين وتحفيزهم والاهتمام المبكر بهم حد إرسال خطابات إشادة صادرة من رئيس الولايات المتحدة الامريكية مهنئا فيها بالتفوق لكل واحد منهم فردا فردا تصدره إدارات المدارس حال إستيفاء موجبات ارساله ،ويحدث صدى عاليا رغما عن رمزيته ، وفى المراحل المتقدمة من المدرسة الثانوية تترى عروض القبول والمنح التى ترسلها الجامعات المتميزة للنوابغ من التلاميذ لتضمن إنضمامهم اليها كحافز لهم ، وتأكيد على ان بعضا ممن يدرسون معهم من اهل التميز والاستحقاق وذلك إنعاشا لبرامج القبول المدفوع المصاريف والرسوم بها ، فى تبارى تام فى ذلك وكبير تنافس وشديده ، وبعكس ما نفعل فالمعلمون هنا مكتمل تأهيلهم وتدريبهم ويحوزون درجات علمية عالية فى التدريس ، والمواد ويوجد فى بواكيرالتعليم الابتدائى نظام المدرس الواحد الذى يتولى الفصل تدريسا وإشرافا ، وتوزع الاعوام الاثنتى عشر بستة ابتدائية وعامين هما سابع وثامن فيما يشكل المدرسة المتوسطة ، الأشبه بالثانوية الصغرى والتى تعقبها مرحلة ثانوية هى اربعة اعوام كاملة هى المرحلة التى ينتهى بها التعليم الاساسى والابتدائى الالزامى ليختط الكل بعدها دروباً اخرى فى الحياة لايعلم احد الى اين تنتهى بالجميع وما هو المنظور فى مقبل الايام من علاقة لهم بالوطن الام وهل تستطيل فيهم الثقافة الامريكية وتتمدد حاجبة ما سواها من ثقافات؟ ام تمتد صلاتهم والجسور ويكون ما يتلقونه من معارف إضافة الى بلدهم فى يوم تتم فيه حالة عكس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق