الخميس، 10 ديسمبر 2009

ا لسودانيون والمنافى 6ـــ 6

لسودانيون والمنافى 6ـــ 6

مبحث فى ثقافة الغربة وغربة الثقافة ..أميركا نموذجا
نجم الدين محمد نصر الدين
أوردنا فى المرة الفائتة بعضا يسيرا من معينات من صارت لهم المنافى والملاذات وطنا بديلا، وذكرنا انها تتمثل فى المنازل التى يقوم برامج «الهبيتات» بتشييدها بالشروط الافضل عونا وحفزا لهم، يأتى الاقوام اللاحقون فى اثر من سبقوهم ولا يكون من المتيسر اول اوان الحضور وقبل توفيق اوضاعهم وتوطين انفسهم على الحياة هنالك، ان يندرجوا فى اية قوائم وكشوفات عناية طبية محددة، فدونهم «العيادة او العيادات» المجانية فى بلد تنعدم فيها اشياء كهذه اصلا، ولكنه من مخففات غلواء العيش ورأسماليته القحة السافرة على اطراف الكنائس غالبا او غير ذلك تقوم، ويتطوع فيها عدد من الاطباء وطلاب الطب فى الفصول النهائية وتصحب مراجعة حال المرضى العاجزين عن مجابهة فواتير المستشفى المغالية فى مطلوبها صرف العلاجات لهم والجد فى ذلك، وتحويل الحالات المستعصية على امكانية ومعدات العيادة الى المستشفيات ومعها الاشارة بعجز هذا القادم اليهم عن مجابهة تكاليف رعايته التى يتلقى لديهم، وتقوم المستشفيات بالعلاج وتأمين دواء مجانى بعبوة مستشفيات لمن يعانون انخفاضا فى الدخول او إملاقا بترتيب مع المصانع المنتجة لهذه الأدوية، التى يتم اعفاء لها من الضرائب فى حالات التبرع فتجنب جزءا من ادويتها التى تنافس بها فى السوق وبلا تغليف مكلف وتعبئة مبذول فيها بعض مال الى اخرى كبيرة فيها حاويات تعبئتها ذات ثمن ادنى والى الزهد اقرب، وبتنسيق تام مع المشافى والمراكز ولمن يستحقونه دون غيرهم، وبجانب هذا وفى طرف من العيادة انفة الاشارة يقام وبشكل يومى تقديم وجبات مجانية ايضا تبدأ من الفطور الصباحى والقهوة الساخنة والعصير المثلج والكثير من الفاكهة غير الممنوعة والخبز، ليأخذها هؤلاء المعوزين الى اماكن مساكنهم، ويعقب ذلك تقديم وجبة غداء حافلة مائدتها بما لذ وطاب وتنوع فى خدمة هى اقرب الى النجوم المعدودة فى الفنادق والمطاعم، يتطوع لفيف من القائمين على هذا بإيصال هذه الخدمة دون منٍّ ولا اذى وبشكل يومى وراتب متصل، مضافا لهذا خدمات مركز الازمات الذى يوجد به بنك للطعام المجانى من خبز وحليب وفاكهة ومعلبات لرقيقى الحال تقدمها البقالات الكبيرة لمواد يوشك اجل استعمالهاعلى الانقضاء، ولكن توزع قبله ويتم اعدام ما لم يستهلك منها.
الله وحده يعلم بالنسبة لهذا المهاجر او القادم، متى تكون نهاية هذا الانتقال، او كم سيكون المكث اجله وامده وامتداداته او انقطاعه؟ وهل هذا مرتبط بانتهاء النظام السياسى الذى قذف بالبعض هنا وبالقسوة كلها وبلا رحمة على النحو الذى جرى؟ بعد ان سد فى وجوههم المنافذ جميعها بلا استثناء ام ستتجذر العلاقة والارتباط بهذه الارض والدنيا الجديدة، بحيث يغدو من غير المتأتى لهم او لاولادهم مبارحة المكان ومغادرته عائدين؟ وهل ما يشهدونه ويعيشونه فى بيئة نظيفة نقية الهواء صافيته عامرة بالخضرة والورود والازهار المنسقة والاشجار الحليقة المشذبة والعشب الاخضر الممتد كابسطة تغطى هذه الربوع وتكسبها الرونق والبهاء والجاذبية كلها، وتنزل بردا وسلاما على النفوس فى مواجهة تلك الغبرة التى قدموا منها والتى لا تعرف الماء الى ريها وانبات شجيراتها لتربو سبيلا الا فى ايام معدودات تحطوطب بعدها وتصوح حتى الخريف القادم، ام صور معسكرات النزوح الكالحة المتسخة التى تغطيها النبتات المغروسة المتربة اليابسة كتلك، وهى تقاوم العطش فى الارض الحمراء المشققة والتى يشاهدونها ويشاهدها ابناؤهم فى الفضائيات هنالك، ويشاركهم فى مشاهدتها زملاؤهم فى المدارس التى ينتمون اليها، ويتم ذلك فى إطار ان هنالك حربا ضروساً ومجاعة تدور رحاها فى بلدنا، وتطهيرا عرقيا وإبادةً للقبائل الافريقية وإفناءً لها بواسطة العرب والمسلمين المتطرفين الذين لا يوفرون مسيحيا او يهوديا الا ونالوا منه، هذا بجانب اليسر والانتظام والنظام الذى يعيشون وبشكل يومى وراتب بما يصبح معه سبيل حياة ونهج عيش، غير العلاج المكلف الذى يتلقونه مجانا لاصحاب المعاونة الطبية الشاملة ، والماء الصحى النظيف الجارى غير المقطوع والممنوع وكذلك الغاز والتيار الكهربائى متصل الامداد الذى لا يعرف الانقطاع اليه سبيلا، الا فى حال الكوارث الطبيعية او الزلازل والاعاصير والبراكين وما شابهها عموما، ولقد تأكد هذا بالنسبة للكثيرين الذين تجاوزوا وقت مفارقتهم للوطن الأم العقد ونصف ولا تزال خطاه بعيدة يسأل البعض اسئلة ظاهرها معرفة ما تم فى غيابهم الطويل وباطنها الاستجواب غير المعلن ومغالطة النفس فى امكانية الرجوع والقبول بالعيش هنالك مجددا، والخضوع لذلك النظام الذى قوامه الفوضى فى كل شئ والحديث عن الملاريا والتايفود وإخواتهما، والاهمال الصحى والازراء الذى يعانيه الناس هنالك، خصوصا ان تقادم العهد وطال المكث فى هذه المنافى، وتقلصت حد الاضمحلال المساحات المشتركة بين المهاجر والناس هنالك، الشئ الذى هو اشبه بالحفرة التى تزيد كلما اخذت منها من التراب. ويسافر البعض ويأتون وفى جعبتهم من القصص الكثير والتى تستحيل الى شئ اقرب الى الاساطير والاحاجى التى كانت تطلقها الحبوبات فى الزمن السعيد، وسط اناس تخلو حياتهم تقريبا من المفاجآت ويعمر النظام والتراتبية والدقة كل شئ فيها، ويتساوى الناس فى الكثير من اوجه العيش وجوانبه، فاماكن تلقى العلاج وسائر الخدمات من تعليم وغيره ونحوه تكاد تكون واحدة، فمن يعيش هنالك لا يجد التناقض الحاد والتمايز المريع فى المدارس والجامعات والمعاهد، مثلما هو لدينا هنا بين المدارس الحكومية البائسة الفقيرة الى كل واى شى، ابتداءً بالمعلم المؤهل المدرب وانتهاءً بالطباشير المدرسى والادراج، دعك من حجرة الرسم والموسيقى وادواتها وقاعتها ومعدات الرياضة وبرامج التدريب ووسائل الايضاح والحاسوب، والاخرى الخاصة التى يوجد بها الكثير من هذا انتهاءً بالفصول المكيفة المبردة والبصات والحافلات التى تقل التلاميذ من وإلى اماكن تلقى المعارف العامة، فالناس فى هذا هنا على قلب رجل وإن اختلف ما فى النفوس، فالتفرقة والعنصرية فى قلوب هؤلاء القوم لا تزال تظلل الكثير من جوانب الحياة، وما لم يقله الناس دوما هو الذى يفرق، وللقانون الدور الأكبر والاساسى فى كبح هذا الجماح ومؤسساته جيدة التفعيل كاملته، إذ انه لا يمكن لك ان تتخطى وتتجاوز الحد الاقصى المسموح به للقيادة فى الطرقات مهما كان وضعك او وظيفتك وسرعة وجودة وجدة عربتك، اذ انه سوف تحرر لك بطاقة مخالفة باهظة لا تسقط عنك الا بالسداد او الظهور امام المحكمة وتبرئتها لك، مع استحالة ذلك لالتقاط الرادار للمخالفة او تصوير الكاميرات المثبتة فى التقاطعات وعمدان الاشارة الضوئية. ويوجد بين الفينة والاخرى من يذكرك بحقك فى تحصين نفسك من التمييز العنصرى، وان ابواب القضاء مشرعة فى وجهك لتلقى اى إدعاء ذي صلة بهذا، لتجد من يساندك من المنظمات والهيئات والافراد والجمعيات، ولتصيب تعويضا مهولا بنهاية الاجراءات ان أصبت نجاحا فى إثبات دعواك، وهكذا وبهذا انحسر مد التفريق هنا وقويت شوكة الجهات التى تناهضه، فيد القانون القوية الحديدية رغما عن نجاحها فى هذا وغيره بما عاد بالخير كله وحقق بعض الطمأنينة العامة، إلا انه كان كابحا وغالا للايدى جميعها فى المجالات المهنية خصوصا فى الحقل الطبى، إذ أن الاطباء ومن يعاونونهم يترددون كثيرا فى الاعتماد على غير الماكينات والاجهزة الطبية تقريرا فى اى امر يتصل بالمرضى، وامامك الكثير من الاوراق التى يتوجب عليك التوقيع عليها المخلية لهم من المسؤولية المهنية قبل إخضاعك لاى ضرب من العلاج او اجراء اية جراحة عليك مهما كان شأنها، بما يجعل هذا النطاسى او ذاك مقيد الحركة والتأثير قليل الاعتماد على القدرات والملاحظة المكتسبة بالمران والممارسة، مثلما لدينا هنا. وعلى هذا يمكن أن يقاس التأثير الجائز وغيره للقانون هنالك، ان ما يتوجب ان تختتم به هذه السلسلة والتى هى محاولة لتسليط بقعة ضوء على بعض جوانب الحياة فى المنافى والمهاجر التى تفصلنا عنها الجغرافيا البعيدة فيها المسافات، علاوة على الآماد الزمانية والحضارية والثقافية التى تؤكد دوما هذا الفصل وتغذى تثبيته، بما صارت معه واقعا غير منكور فى حياتنا، ولسنا استثناءً فى هذا فالعالم المتخلف كله الآن، شديد الطرق على ابواب العالم الحر كما يطلقون هم على انفسهم فى تصنفيهم للناس الذين يشاطرونهم العيش على ظهر هذا الكوكب، ولو كان ثمن ذلك المهج والارواح العزيزة، والمؤسى فإن الانقاذ كالعهد بها فى اى امر تنكره فإنها تسعى لعلاجه بنفيه مهما كانت درجة ماثليته فى مغالطة فجة، خلافا لما تفعل الحكومات التى بها بعض رشاد، والتى لا توفر شيئاً فى سبيل الدفع بابنائها فى هذه المسارب مما يستتبعه حسن تدريبهم وتأهيلهم، فالجدير والقمين بالملاحظة ان اغلب من يتوفرون على الدراسات العليا والبحث العلمى الذى تبذل له الولايات المتحدة بليون دولار كل صباح جديد فى المتوسط، هم من المهاجرين قسرا او طوعا، او كانوا فى بعثات دراسية قادمين من الخارج، فهم اى الاميركيين الاصليين من السكان الاصليين اقل ميلا للسير فى المعراج الاكاديمى، ويعانون من صعوبة تمويل التعليم بالنسبة لهم، لارتباطهم الوثيق والعضوى بنظام القروض من اجل الدراسة، علاوة على امكانية حصولهم على وظائف مناسبة مبكرين خلافا للآخرين الذين تعوق القدرة على التخاطب والالمام بالثقافة وتقاليد العمل وغيرها من حواجز التحاقهم باية مؤسسات خاصة او انشطة تجارية فردية او مع جهات، تقدم الخدمات للسواد الاعظم من الاميركيين، فريادة الانشطة البحثية والعلمية مما يختص المهاجرون به وبالامكان رعاية والاهتمام بالدارسين والمجتهدين من ابناء هذا الوطن فى الغربة تأسياً بالدول الاخرى، وان نقيم جسورا بينهم والبلد، بتنظيم رحلات تعريفية لهم به بعد الاقرار بالحالة عموما وابداء الرغبة فى التعامل الجاد معها، وحصر هؤلاء جميعا وإحصائهم عددا، إذ لا احد يمكنه الآن ان يخبرنا كم هم واين يقيمون وما هى الظروف التى يعيشون فيها، فالحدس والتخمين وحدهما هما ما ينبنى عليهما تقدير اعدادهم فى عصر العولمة والمعرفة هذا فى مجافاة تامة لكليهما، فالمتصور ان عددهم سوف يكون فى زيادة واضطراد، خصوصا ان الكثيرين منهم قد تأتى لهم الآن الحصول على جنسية الولايات المتحدة الاميركية العصية على الظفر بها، الشئ الذى يمكنهم من احضار بعضاً من الاهل والاقارب على النحو الذى اوردنا فى الحلقات الثلاث الاولى من هذه السلسلة لتتسع الدائرة وتزيد اندياحاتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق