الخميس، 17 ديسمبر 2009

سعيد علي محمد بابكر ود اللباب..,..عبد الرحمن محمود حبيب الله محمود

2/ سعيد علي محمد بابكر ود اللباب - (قطر الدوحه) - 6/12/2009

رحم الله نجم الدين محمد نصر الدين هو من مواليد اربجي بالجزيره في عام 1955 نجم الدين فقد للوطن وللاهل فهو رجل مع الحق مدافع بقلمه وفكره وهو انسان اجتماعي من الطراز الفريد كان يصل رحمه ويساعدهم كان همه وشغله الشاغل هو ان تكون المعرفه متاحه للجميع وتبني في منتدي اربجي مدينه العطاء مشروع المكتبه الالكترونيه ودعمه بماله وقلمه وباذن الله سوف يحمل هذا المشروع اسم الراحل عرفانا له نامل من كل معارفه ورفاقه المساهمه في هذا المشروع حتي يري النور

1/ عبد الرحمن محمود حبيب الله محمود - (السعوديه الدمام من ابناء العزازي الجزيرة) - 5/12/2009

الاخ المكاشفي رحم الله هذا النجم الذي غاب عنا واسكنه فسيح جناته مع الخالدين ورحم الله جميع موتى المسلمين ولكن نحن في السودان يرحل المبدع عندنا في هدوء تام ودون ان نحس به لاننا لا نعرف قيمة المبدع الا بعد رحيله وهذا يؤدى الى نضوب الإبداع والمبدعين في بلادي وذكرت أخي المكاشفي ان انه من خريجي جامعة الخرطوم فقط ليتك اسهبت عنه وعن سيرته وعن انجازاته فانا أول مره اسمع بهذا الاسم والذي قد يكون معروف لك رحمه الله وذكرت انه كان يغسل في أمريكا ولماذا أمريكا؟ فهذا يدل ان هنالك قصور في السودان في هذا المجال الحيوي وهو مراكز غسيل الكلي ذلك المرض الذي لا يمكن ان يوصف قولا شفى الله كل مصاب ً وأتمنى من الدول أن تهتم بهذا الأمر وغيره من الأمور الحياتية وان نبعد عن الأشياء الكمالية والتي ارهقنا كثيرا

بدر الدين الأمير

بدر الدين الأمير

باسم الاهل في أربجى وفي كل مهجر من مهاجرنا ومنافيا
باسم زملا نجم الدين في الدراسة والمهنة الذين شتتهم
الغارمون الجدد وتواصلو حين افل نجمهم بالفجيعة واتو
يبكونه ويبكون الوطن الذى فقد نجمه ويفقد نجومه يوم
بعد يوم...
باسم تلاميذه الذين فقدو من يهدهم معرفة وعلم.....
باسم انبياء الكملة قراء وكتاب الذين كانو مد ومداد
نجم الدين ...
باسم الحبوبات والخالات والعمات والاخوات وكم هن الان
فاقدات النجم...
الذى يتفقدهن ويضاحكهن ويتغزل فيهن ويغرس فيهن الامل
بان يوم بُكر كم هو جميل واجمل من أمس ... المنقضى..
باسم اصدقاء ومعارف نجم الدين الذين لاحصر لهم وكم هم
يحزنون الآن ...
أقدم كل إجلالى وتقديرى وحبى كل من شاطرنا واخذ شىء من
حزننا بالترحم وطلب الرحمة للدين النجم


سلمى الشيخ سلامه ... للحزن طعم الغياب

سلمى الشيخ سلامه

للحزن طعم الغياب
وللموت رائحة الرماد
ولى
مجرات البكاءجميعها
ونجومها وسمائها وفضائها
لى حزنى الابدى
ظل وقصيدة
كيف ابكيك يانجما هوى
انتج اختلالا فى الطبيعة
خبا الزهر والضحك
الينساب
من قلبك الفرحان
بالعاب الحياة .. الطفولة التى مافارقتك
والبراءة صنوك
ياشفيف الروح
زرنى
فجهاتى قد "محلت" وضاقت بى الدنيا
اعنى ياصديقى

الحروف تفتقد بريق النجم الثاقب

الحروف تفتقد بريق النجم الثاقب* !!. .. بقلم: أمين محمّد إبراهيم /المحامى
الخميس, 10 ديسمبر 2009 10:38

aminmibr@yahoo.com
كان صديقنا و زميلنا الراحل المقيم، نجم الدين محمد نصر الدين، إنساناً منسوجا من رغوة النبل، ذا روح عذبة ودودة، و قلب مصنوع من رحيق الخير الخالص، لذا أحبّه كل من عرفه من خاصة أهله و زملاء الدراسة والمهنة، وعملائه وزبائن مكتبه من المتقاضين، ومعارفه الكثر فى مختلف المجالات. وبخصاله وخصائصه النادرة المثيل تلك، وتفرده المائز ذاك، احتل صديقنا الراحل، فى أفئدتنا نحن خاصة أصدقائه وزملائه، مكاناً رفيعاً و موقعاً مرموقاً مذ عرفناه ولا يزال، وسيظل كذلك، ما دامت قلوبنا تنبض بالحياة. وسيبقى طيفه دائماً "نجماً ثاقباً"ً، يشخص باستمرار فى أفق رؤانا ورؤيتنا، صباح مساء، بوجهه الضاحك الخصيب، وقلبه الكبير، وروحه السمحة، فيجلجل صوته الودود ملء أسماعنا، و يسطع بريق حضوره الوهاج ملء أبصرنا، رغم رحيله الفاجع.
عندما حلّت الجائحة، وشتت بنا سبل الحياة وظروفها، و فرّقتنا الأيام أيدي سبأ، و تعاورتنا المهاجر، وعزّ، من ثم، اللقاء استعضنا عنه، بالتواصل عبر صفحات الصحف السيارة و الاسفيرية على مواقع الشبكة المعلوماتية الدولية "الإنترنت"، أو وسائط الاتصال الحديث الأخرى المتاحة من هواتف وغيرها. فكنا نتابعه بقلق و إشفاق، فى ترحاله الدائم أينما حل، علّه يجد ما يعينه على محاصرة الداء الوبيل، ويمّكن من السيطرة عليه، والحد من تطوراته ومضاعفاته. و فى اتصالاتنا معه، سرعان ما كان يقطع الطريق، على من تطغى نبرات الإشفاق والقلق على حديثه معه، بتطمينه على صحته، والمبادرة بتغيير مدار الحديث، إلى وجهة أخرى. فمعي مثلا كان يبادئنى فيأخذني، على حين غرة، بالعتاب لما يعتبره تراخ أو كسل منى فى مواصلة الكتابة، أو حتى مجرد الإقلال منها، و ما كان يقبل منا تقصيراً فى هذا الجانب، لا سيما وأنه يعتبره قصوراً، فى أداء أهم الواجبات، مع التمكن وعدم العذر الشرعي، كما فى قول فقهاء الشرع. وكم كان محقاً فى ذلك، وقد أخذ نفسه بالشدة والصرامة فى هذا الميدان، فظل يساهم بعطاء فكره الوقاد، رغم الداء والأعداء، فتناول قضايا وهموم الشأن العام وبالتركيز على ما يهجس بالنا من تردى الوطن وميل حاله الأسيف. فكتب دون توقف حتى لزم سرير المستشفى، لم يقعده المرض، وسنوات الترحال بين أمريكا والصين والسودان، بحثاً عن استرداد ما أعتل من عافيته، بالجراحة أو العلاج الذي عزّ عليه حتى فى وطنه الذي أحب. بل واصل الكتابة حتى وهو يرسف، فى السودان كما فى المهاجر البعيدة، فى قيود من التوصيلات الطبية على كرسي الغسيل الكلوي الدوري، معلقا بين الأنابيب مغروزة النهايات فى جسده، لجريان دورة دموية كاملة لجسده، تبدأ وتنهى إلى شرايينه، عبر جهاز خارجي، أشبه بالحاويات الصغيرة. و من أمريكا، كتب فيما يصلح أن يطلق عليه، يوميات غسيل مريض الفشل الكلوي، يقول أن عملية التنقية هذه برتابتها المضجرة، كانت تجرى تحت بصره لثلاث مرات، أو نحو ذلك أسبوعياً، وتستغرق الواحدة منها الساعات الطوال، فيضطر للاستعانة عليها بالصبر ومشاهدة البرامج التلفزيونية أو القراءة الاضطرارية. وقد ترجم فقيدنا العزيز تجربة معاناته مع هذه الجلسات البغيضة، بتفاصيلها الدقيقة و مراحلها المختلفة، وكأنه يتحدث عن عذابات شخص آخر، و لا غرو فى ذلك فقد كان دائماً ذاهلاً عما به من آلام ملتفتاً عنها، ليتألم حقاً لعذابات الآخرين، "جملاً للشيل وحمالاً لهموم الناس".
و فى آخر محادثاتي التلفونية معه، قبل أشهر قليلة من رحيله، انقبض قلبي وهو يرد على بصوت، بدا لي أن قد نال منه الرهق الطويل، وبانت عليه آثار المجالدة المتطاولة للداء الوبيل، فجاء ينثال رقيقا خافتاً يعبّر عن معاناة و أوجاع الجسد العليل، رغم جهد صاحبه الواضح لمغالبة مظاهره. فقلت له أصبر فقد صمدت وصبرت، على أوجاعك وآلامك، صبرا جميلاً. فأجابنى ممازحاً بأنه صمد فى مقاومة المرض ولن يستسلم له ، بل سيصمد صموداً حتى يهلك دونه. فقلت له ممازحا أيضاًُ، لا تقلق فنحن شهود عيان على صمودك، و نريد منك فقط مواصلة الصمود دون أن تهلك دونه، حتى لا تكون قد هزمت، الغرض من الصمود نفسه، فضحك بدوره. فانقبض القلب مرة أخرى، لافتقادي ما ألفت و أعتدت عليه، من خصائص كيمياء ضحكه، أولها صدوره صافياً كما البلور من القلب، وثانيها قدرته على نشر "عدوى" الفرح وتدويره، على القريب والبعيد. ولا عجب فقد كان، من فرط سخاء وكرم نفسه وجمال خلقه، مكرّسا للخير والفرح والتفاؤل والمسرة، لا تعرف مشاعر الغضب التى تجتاحنا أحياناً كثيرة بسبب وبلا سبب، إلى قلبه الكبير سبيلاً أبداً. وأشهد أنى، وربما و افقنى فى ذلك أصدقائنا المشتركين، لم أره غاضبا أو مغاضباً أو مكدراً يوماً منذ عرفته فى العام 1975م. وهذه صفة تليق بالرسل والملائكة فقط، و قلما يتصف بها إنسان عادى.
وإذ يرحل ويمضى عنك مثل، هذا الإنسان الإستثنائى النادر، فكيف العزاء يا أصدقائي؟؟، وقد انفرط برحيله نسق اصطفاف مجلسنا، واختل نظام تسلسل عقده، وتبعثر شملنا، وأصيبت أواصر تماسكنا المعنوى، فى مقتلها حقيقة لا مجازاً، وإذا بكل واحد من أصدقائه المكلومين، لا يكاد يصدق رحيله من بيننا، فيستدعى قول الخليل وقد قتله فى مهجر استشفائه ظمأ النوستالجيا إلى الوطن ومجالس رفاق أنسه العامر به إذ يقول:
مجلسك مفهوم كلو رايق شوفو ناقص زول ولا تام.
فقولوا لي بربكم، كيف السبيل إلى تمام مجلسنا وكماله، وقد غاب عنه النجم الثاقب، و اكتنف وجوده الباذخ بيننا العدم، و لفت حداء ركبه كآبة الصمت، وانطوت صفحات حياته العامرة، ولم يبق إلا الأسى والذكريات؟؟. فتأتى إجابتنا، من ثم، و دونما أدنى شك، باكية حزينة، بأن مصابنا جلل، وفقدنا باهظ وفادح، و نقصاننا بفقد عزيزنا نجم الدين، لا يعوّضه شئ و لا يتمه أحد بالغاً ما بلغ من الشأن أو العدد.
عرف صديقنا و زميلنا الراحل المقيم، بين زملاء دراسته ومهنته، بأنه من أكثر أبناء جيله عموماً تفوقاً ونجابةً ونبوغاً، بل كان من أميّز طلاب الدفعة، 1975 - 1979م بكلية القانون/ جامعة الخرطوم، ذكاءً و نباهة عقل و رجاحة فكر ووسامة ذاكرة وأكثرهم قدرة على النفاذ، وفى أقصر وقت ممكن، إلى لب مراجع ومصادر مقررات منهج القانون بتعددها، والخروج منها، فى أقل وقت ممكن، بحصاد خصيب وغنى وافر، يجد فيه قارئه أنه قد أحاط بجوهر موضوعه، إحاطة كلية شاملة، و ما فرّط فيه من شئ، بل جمع فأحوى.
وتعويلاً على ما تقدم ذكره، من نبوغ ونجابة وتفرد، مسنود إلى حصيلة واسعة من المعرفة المكتسبة بالاطلاع المثابر، قدّم فقيدنا العزيز نجم الدين نفسه إلى القراء، بما نشرته له الصحافة السودانية، إلى جانب موقعي سودانيزأونلاين و سودانا يل الاسفيريين، من مقالات مختلفة و متنوعة. أتحفنا فيها و القراء بآراء وأفكار يانعة وافرة الثراء بالغة الخصوبة، "وديكة" الدسم، كاملة السداد مبنىً ومعنىً، و بلغة أدبية رفيعة، اتسمت بالرصانة وجزالة الألفاظ والعبارات وبعد النظر، و حسن الاستدلال و سداد الرأي وحصافته،. وعبرها تعرف القراء على نجمنا الثاقب، فتعلّقت أفئدتهم به و بما يكتب.
وأيا كان الموضوع المتناول والمطروح على طاولة البحث والحوار فقد كان نجمنا الثاقب يوظّف الكتابة كشكل عقلانى، من أشكال التعبير الابداعى، لمخاطبة وعى المتلقي، بلغة ومضامين المعرفة ومفاهيم الاستنارة معاً، بوعي متقد وبصيرة نافذة وإتقان مشهود، ضرورة إدراكه العميق بفيوض الطاقة والحيوية، الكامنتين فيها أي الكتابة، كأداة من أخطر أدوات الرافع الفاعلة، لنشر الوعي و بسطه وتجذ يره و مراكمته، إلى أقصى الدرجات المتاحة، بحسبان ذلك شرطاً من الشروط الضرورية اللازمة لإحداث التغييرات الجذرية المطلوبة، لنقل المجتمع إلى درجة أرقى فى مدارج تطوره السالك دوماً إلى أعلى، فى سلم التقدم.
إنما الدنيا شجون فى شجون وحزين يتأسى بحزين.
بيت من الشعر لا أعرف من قائله، قرأته فى بواكير الصبا، فى دفاتر و الدى رحمه الله رحمة واسعة، كتبه بخط يده الفريد الأنيق. وقفت عنده كثيراً، مشفقاً وقتها على والدي أسكنه الله فسيح جناته، فلا يصطفى مثل هذا القول المفعم بالحزن الممض، إلا من كابد مثله، فتعلق بذاكرتي منذ ذلك الوقت، و اختبأ بجدران أنسجتها، يعود إلىّ و أعود إليه كلما فقدت عزيزاً، علّنى أجد فيه وفى ذكر من رحلوا من الأحباب، بعض العزاء.
فالعزاء لنا ولأهله آل الشيخ محمد نصر الدين، ولنا وكل مواطني أربجى، مسقط رأس فقيدنا العزيز، والعزاء لنا وللوطن بأجمعه. والعزاء لنا ولكل زملائه و أصدقائه المحامين والقانونيين عامة، ولنا و لأصدقائه و زملائه فى اتحاد الكتاب وصحيفة الصحافة والصحفيين عموما، ولنا و لمعارفه وأصدقائه الكثر، فى السودان وخارجه. والعزاء لنا ولهم جميعاً إن كان ثمة إمكان للعزاء أو السلوى، بعد رحيل نجمنا الثاقب.
والعزاء لنا وللقراء الكرام، ولا شك أننا فى يومنا الكئيب هذا، وفى ملابسات حزننا المقيم هذا، المحيط هذا، الشامل هذا، العميق هذا، فى أمسّ الحاجة إلى تبادل التعازي والمواساة معهم، وهم من عودهم معنا فقيدنا على متابعة، كل ما يخطه يراعه، الحاذق المتمهر فى فن الكتابة القاصدة، بشغف ظاهر و تقدير و استحسان بالغين. والشاهد أنه وفى زمن وجيز وقياسي، حاز حب وإعجاب الكثير من القراء، وها هم الآن يفتقدون معنا بريق نجمهم الثاقب، فيبكون معنا حزناً على فقده الجسيم الباهظ.
هامش:
* جاء ذكر "النجم الثاقب"، فى محكم التنزيل فى قوله تعالى:" السماء والطارق* وما أدراك ما الطارق* النجم الثاقب". وجمعه النجوم الثواقب وهى ما عرف بالنجوم النيوترونية فى الكشوف الكونية، التى أذهلت العلماء، فى النصف الثاني، من القرن العشرين، ذلك أنها نجوم عملاقة بمفعولها لا بحجمها، تتركب من النيوترونات الثقيلة المنضغطة على بعضها البعض، والخالية من الشحنة، ولذا تستطيع اختراق أي ذرّة دون التأثر بشحنتها، و تثقب الإشعاعات الصادرة عنها الأشياء ثقباً، كما تطرق نبضات ذات صوت عال تصدر عنها صفحة السماء طرقاً. وهو مما أعتبر إثباتاً علمياً تاماً لما جاء فى الوصف القرآني الكريم

هالله .. رحل نجم الدين الانسان .. بقلم: سلمى الشيخ سلامة

هالله .. رحل نجم الدين الانسان .. بقلم: سلمى الشيخ سلامة
الأربعاء, 09 ديسمبر 2009 09:40

رحل شيخى وسيدى عالى المقام مولانا نجم الدين نصر الدين المحامى ...
اخو الاخوان والاخوات ..معشى الضيفان وسيد الكلمة الصادقة ، حافظ القرآن والشعر والحديث والسيرة، القارئ النهم ، الكاتب الذى يعرف متى يضحكك وانت فى اعلى مواقع تراجيديتك ، يسلبك الامن محبته ويكسوك بها
هالله .. يانجما خبا من بعد ان التمع فى حياتنا .. رحل حافظ (سر) شعر الحقيبة يحفظها سرا سرا ..ويعرف مقدار عظمتها .. ينشدها من لوح امام روحه ، فيما يتناهى اليك صوته مغنيا لكنه وباعترافه لم يكن يجيد سوى حفظ الشعر ..
عقد من الزمان كانت بداية معرفتى به .. فى مدينة ايوا فى الولايات المتحدة ، ذات مساء كلمنى صديقنا المشترك عبد الله محمد عبدالله " ود السجانة "وسالنى ان كنت فى البيت او ساخرج ، كان نجم رفقته فساله عن المتكلمة ، فاجابه بانه يتحدث الى ّ "استلم المجال " وتحدث الى ّ وحين طال امد الحديث بينناوانسدلت خلاله القصائد واسترسل فى الشعر المبين فصاحة ، قال لنا
ـ خلاص يا بت الشيخ بجيب ليك نجم واجيك فى البيت بدل الكلام بتاع التلفون "وقطع عبد الله يقين الحديث ليبدا بروح اكثر حميمية ولم يخرجا حتى اذن الليل للصباح ان يدخل ، وجدانا وصدقا نادرين غزانا بهما نجم الدين ليلتها ..
كان يشيلنا مع محمود درويش ويحطنا على بحيرات المجذوب ويقودنا بين دهاليز صلاح احمد ابراهيم ، عن ظهر قلب وبمعرفة اصيلة ، ليعود الى محبوبته الاثيرة "حقيبة الفن " تاريخا وشعرا ومغنين ، يطوف بنا فى معارج من الحديث الشهى ، لا يقطعه قاطع ولا يمنعه مانع ..
حين لا نلتقى فى بيتنا او بيته ، يكون اللقاء فى المقهى ، نديمنا فناجيل القهوة التى يحب رائحتها رغم انه لايشربها لخوفه من ارتفاع الضغط ، لكنه يدعونى لتلمس موطئ جمال الرائحة فاجيبه طائعة ، يحتفى نجم بالكتب ، ايا كانت لغتها ، فهو مجيد للغتين العربية والانجليزية ، حين صدرت الطبعة الجديدة لمجموعة الطيب صالح باللغة الانجليزية ، كان قد اشترى عدد من النسخ اهدى احداها الى الممرضة التى كانت تضع له الجهاز للغسيل ، واخرى لمريض كان محبا للقراءة كما نجم ، واخرى اهداها لابنته عزة
يانجم
للحزن طعم الغياب ..
للموت رائحة الرماد ..
ولى مجرات البكاء جميعها ..
ونجومها .. وسمائها .. وفضائها ..
لى حزنى الابدى
ظل وقصيدة
كيف ابكيك يانجمى الذى هوى ؟؟
انتج غيابه اختلال فى الطبيعة ..
خبأ الزهر والضحك الينساب من قلبك الفرحان بالعاب الطفولة ..
الطفولة التى ما فارقتك والبراءة صنوك ..
يا شفيف الروح زرنى
فجهاتى قد "محلت "
وضاقت بى الدنيا ..
أعنى يا صديقى
يا صديق الكل اعنى ..
منذ ان حط رحاله فى مدينة ايوا ظل بيته متنفس للجميع ، نادى او مقهى لا تخبو انواره ، مكان تستريح اليه النفس ، يجئ الكل على عجل ليمارس هواية الضحك رفقة نجم ، الذى تلتف حوله كل "قرائن " المحبة فى اروع مرافعة حيايتة .. زخمها الفرح وكلماتها البهجة ومغزاها الانسانية للجميع .. فى حضرته نثمل "دون راح " كما يقول دائما عن وجود الحاضرين ، فهو كما لم يدخن لم يتذوق خمرا فى حياته ، لكن راحه هو الحديث العذب الدائرة كؤوسه بين الحاضرين ، حديث يجعلك " تتكيف " ويرتاح دماغك المتعب من هم وتحزين ..
حتى ان اختلفت معه ، يتيح لك حق "رفع دعوى " بديمقراطية متناهية سلوكا وقولا ، بحديث شجى يغذيك به فى يسر وعذوبة فائقين ..
يا لنجم الدين .. يا لى
غابت ضحكة سمعتها كل المدينة واحتفت بها حيثما وضعتنا اقدامنا معا ، كانت الضحكة "السر المصون "الذى يفتح خزانته نجم الدين يعرف كيف يجعلك تضحك من اعماقك بنكتة طازجة او سخرية حتى ان كانت عن نفسه حين لايجد من يسخر منه ..؟!
تارة يضحك من الالم الذى يحيطه ، واخرى من "شتارته"فى الرقص الذى احبه رغم تلك الشتارة
لكنه يمضى الى حيث يحب ، وهنا لابد من الحديث عن حبه ، بل عشقه لاثيوبيا فكلما عاد الى ايوا كانت عودته مرهونة بالوقوف الى اثيوبيا ذلك انه متن اواصر هذا العشق متعلما ومتحدثا بعد ذلك للغات الاثيوبية "امهرنجة ـ تغرنجة " متعرفا على كل مدنها يهفو اليها كما يهفو لمحبوبة ازلية ، جاعلا اياها فردوسه الحميم ، يصل اليه كلما اشتد جحيم من حوله ، يعرفها منبعا منبعا ، مجرى نهر لاخر ، ومدينة مدينة ، شبرا شبرا ، حتى لتظنه اثيوبيا ضل طريقه الى السودان .. بل اثيوبيا كامل الاهلية كما كان يقول عن نفسه ،
يرقص رقصة الاثيوبيين تلك فنضحك ونحبها لاجله ..
هالله رحل نجم الدين عاشق الحياة ، الذى كان يحلم ان تعود اليه صحته ليتزوج وينجب اطفالا يملاؤون حياته كما ملاها عزة ومحمد
لكنه مضى ماسوفا على شبابه فهو فى عداد الشباب حيث ولد فى اربجى العام 1955 ورحل وهو فى قمة شباب الروح والقلب
رحم الله نجم الدين نصر الدين والهمنا الصبر وحسن العزاء

Salma Salama [ fieroze@hotmail.com


http://sudanile.com/index.php?option...4-27&Itemid=55

بشفافية .. نجم الدين محمد نصر الدين

بشفافية

نجم الدين محمد نصر الدين

حيدر المكاشفي

غيّب الموت يوم الاربعاء الماضي المثقف المتميز والقانوني الضليع والكاتب الصحفي المهموم بأمهات القضايا الوطنية الاستاذ الصديق الرقيق نجم الدين محمد نصر الدين بعد صراع مرير مع داء الكلى خاضه الرجل بشجاعة وثبات وإيمان وتحدٍ إلى أن أخذ الله امانته، لم يقعده المرض عن مواصلة اسهاماته ونشاطاته الثقافية والاجتماعية والحقوقية والصحافية، ولم يصرفه همه ووجعه الخاص عن التفاعل والانفعال والتواصل مع الهموم والاوجاع العامة، بل كان يتحامل على مصابه الخاص حتى في احرج لحظات مرضه، وكان يحمل هموم وطنه وأوجاع شعبه أينما حلّ وارتحل خلال رحلة بحثه عن العلاج، فكان السودان وشعب السودان وقضايا السودان حاضرة عنده على الدوام وهو على السرير يتلقى جرعات الغسيل في الولايات المتحدة، أو وهو معلّق في الهواء في الطريق إلى الصين أو في القاهرة أو الخرطوم وغيرها، كان الوطن والهموم الوطنية دائما مقدمة عنده على ما سواها، وكل شئ عنده في سبيلها يهون، حيث كانت أنات الوطن تطغى على أنينه الخاص فينسى آلامه وأوجاعه ويعكف على كمبيوتره المحمول ليكتب للوطن وعن الوطن ما يثري به صفحات الصحف والمواقع الاسفيرية. وقد شهدت له هذه الصحيفة «الصحافة» التي تشرفت بأن كان أحد كتابها الراتبين الذين جمّلوا صفحات الرأي فيها ورفدوها بالفكر الثاقب والملاحظات الذكية والآراء النيرة والانتقادات الموضوعية، شهدت له صفحاتها بهذه الحمية الوطنية والاخلاص الذي يسترخص كل شئ في سبيل الوطن، وكان يتوسل لبلوغ غاياته الوطنية الكبرى التي كانت محط اهتمامه بلغة رزينة ورصينة تخصه وحده تعرف انها له من أول سطر دون النظر إلى صورته أو مطالعة اسمه، يجللها بهيبة التناول الموضوعي المتوازن والمزاج المتزن وعقيدة التوسط، فلا تملك إلا ان تحترم وتستمتع بما يكتب وأن كنت معه فيه على خلاف، كان ذلك هو نجم الدين النجم الذي كان أول دفعته بكلية قانون جامعة الخرطوم، إذا رأيته لأول وهلة ربما ازدريته لتواضعه وبساطته، بينما هو في جوهره وحقيقته أسد هصور وعالم ضليع بما يتحدث عنه أو يكتب حوله وتلك شيم العظماء.

كتب مرة هذا السائح الوطني الزاهد في احدى سياحاته الوطنية بين عدد من القضايا الشائكة بأسلوبه المتفرد الخاص ليعرج ببراعة لتناول شأن ذي خصوصية له يقول:أخبار الوطن وهمومه هى دوما ما يلاحقك فى صحوتك أو حتى فى عز المنام كما قال الشاعر أو ذاك الآخر، الذى استطرد اننا أصبحنا كالأسماك لا نستطيع بعض فكاك نموت إذا فارقنا مياهه هذا المكان «المسقط للرؤوس» والذى أضحى مسقطا الآن لبعضها «بضم الميم».

فى احدى متابعاتى للفضائية السودانية متلهفا لتسقط الأخبار، أعلن المذيع الأستاذ عمر الجزلى ان هنالك إحتسابا من رئاسة الجمهورية، فقلت فى سرى لا بد انه انتقال لمسؤول حكومى كبير، ولم يطل الانتظار لينعى لنا الزميل الاستاذ الصديق الصدوق وضاح المحيا ابيض الثنايا والنوايا ، الاستاذ عبد الهادى أحمد، الشهير بعبود وزير الثقافة ونائب والى الشمالية ورفيقيه الذين قضوا فى حادث حركة وهم يغيثون أهلاً يعينونهم على الحياة ويدفعون حياتهم لذلك ثمنا ، فتمدد الحزن وأصاب القلب ثقل ظل ملازما لى بقية ذلك النهار وما طفق مصبحا ومقيلا ، فإذا بآخر يأتى فى أعقابه وبه الصدمة والذهول كله، وهو ما اصاب من مصيبة الأستاذ محمد طه محمد أحمد، زميلى فى مقعد الدرس وحجرته، بل مجموعته أول عهدنا بالطلب فى كلية القانون، وان فرقتنا دروب السياسة إلا ان تقاطعات الصحافة جمعتنا ثانية.

سلة الأحزان هذه وحقيبتى، هما ما صحبتانى إلى واشنطون ليتم التشاجن حول كل هذا وغيره مجددا مع الاصدقاء المقيمين هنالك والذين يوفون أنباء الوطن حقها فى المتابعة بأكثر مما يفعل المواطنون القاطنون الصامدون القابضون على جمره كما يُقال.

رحمك الله نجم الدين وألهمنا وآلك الصبر الجميل.

ما لا يعرفه البعض عن الراحل نجم الدين


ما لا يعرفه البعض عن الراحل نجم الدين



نعى الناعون بالأسى العميق عبر مجالس عزاء ومراسم تأبين متفرقة بالسودان وخارجه وعبر الصحف المحلية، وعبر الشبكة العنكبوتية الراحل المقيم الاستاذ/ نجم الدن محمد نصر الدين المحامي، الذي انتقل إلى دار الخلود بعيد عيد الأضحى بقليل بعد صراع طويل مع داء الكلي في مشافي أمريكا والسودان، وقد سطروا عن مناقبه كل فيما يعرف من جانب، في الود والحميمة، في سماحة العشرة، في حسن الخلق، في نقاء السريرة، في توطئة الكنف والألفة، في تعدد المعارف، في تنوع المواهب في الأريحية وخفة الروح، في الصبر على البلاء، بل والهم والإنشغال بالانتشار المروع للمرض (داء الكلى) بالسودان والتفكير في الحد منه وتخفيف ضراوته عبر أفكار وأراء نيرة نالها من تجربته الطويله معه وبثها لبعض أصدقائه كما وثقها د.اسامة عثمان في مقاله عبر صحيفة سودانايل من نيويوك بتاريخ 10/12/2009م وغيرها من مناقب.

في هذا المقام وأنا لست بكاتب في الصحائف ولا مرسل لمقالات عبر أي وسيط إعلامي وإنما تلح النفس علي أن أشهد بما يليني مما رأيت عيانا وعلمت يقينا من صفات وشمائل أخرى عظيمة للراحل لا يعلمها إلا ذووه أو من كان لصيقا به من الأصدقاء وقد كنت قريبا جدا من الراحل لعامين اثنين مباشرة قبيل إصابته بهذا الداء اللعين حيث كنا شريكين في المهنة والعمل والمكتب وكنت ذا صلة به في المنزل، كان ذا بر عميق ومشهود لذويه الأقربين يجري منه مجرى الدم في العروق و يملأ عليه جنانه ونفسه ووقته كما كان ذا بر موصول ومشهود بأهله عامه وعشيرته وكل من تربطه به وشيجة دم أو رحم فقد كان رغم ارتباطات المهنة المتعددة والمزعجة يقف شغولا بتدبير شؤون أهله وأقاربه, في قضاء حوائجهم في شتى مناحي الحياة ما استطاع لذلك سبيلا، في مؤآزرتهم ومساندتهم بالمال والراي والجهد، وكانت داره العامرة بكوبر دوما غاصة بأهله وذويه وأقاربه وأصدقائه، كانت قبلة يؤمها أهله وذووه صباح مساء حيث كان يلقاهم بالبشر والترحاب طلق الوجه متهلل الأسارير بأريحيته وجبلته المعهودة رغم ارهاق المهنة.

كان الراحل كذلك انسانا بكل ما تمتليء به الكملة من معان عظيمة، إذ كان فعالاً للخير معطاء للمحتاجين، حيث كان مكتبه (مكتبنا وقتئذ) مطروقا باستمرار للكثير من الفقراء والمساكين والأرامل والسائلين لا يردهم راد لينال أيهم ما يرزقه به الله على يد الراحل و ما تجود به استطاعته... كان بعضهم يأتي بصورة راتبه وينال عطاء منتظما من الراحل لتدبير قوته أو لتدبير بعض مصروفات دراسية لأبنائه أو لغيرها من حوائج الدنيا.. كان بعضهم يجلس منتظراً قدوم الراحل للمكتب لينال عطاءه دون أن يرى من الراحل تقطيبا للوجه أو اشاحة به، أو تذمرا أو ضيقا وقد يكون الراحل ساعتها قد قدم لتوه من جلسة عمل مضنية مليئة بالشطط والضجر والتأذي بممثلي الخصوم أو بالخصوم حسب ما نشهده في كثير من المؤسسات العدلية في بلادنا.

ولعمري هذا هو المحك والإختبار الحق لتحقق الإنسانية والترقي في مدارجها نحو معانيها الأتم وهو اختبار يتساقط دونه الكثيرون ممن حباهم الله بالمال والرزق الوفير والحظ. حتى من تلفح منهم بعباءة الدين. وهو اختبار له وزنه الأثقل في رصيد المرء لدى سعيه وكدحه لملاقاة ربه.
قال جل وعلا شأنه:-
"
لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس" صدق الله العظيم.

وبذلك عن الراحل أقول وبحق أنه لم يعش لنفسه ولم يكن فقط لها يتكلس بداخلها او ينكفئ عليها مؤاثرا إياها وإنما عاش لغيره، وكان لغيره، فهو ورغم وزنه المعلوم في المهنة وممارسته الطويلة (ثلاثون عاماً) ورغم ما كان يضطلع به من اعباء ومهام قانونية كبيرة ومتعددة وما يقدمه مكتبه من خدمات قانونيه نوعيه لم يكنز أو يفكر في كنز ما تعود به هذه الأعمال من كسب ليصيب به دنيا أو يبني به مجداً وإنما رحل دون أن يملك شيئا من حطامها لإن همه ومتعته كانت في إيثاره لغيره، كيف لا وهو الحاصل ومنذ وقت طويل على وثيقة الإقامة والعمل في الولايات المتحدة الأمريكية التي افتتن بها الكثيرون، وهو الذي أقام وعاش لفترة هناك وظل يملك هذا الحق إلى يوم رحيله، إلا أن كل ذلك لم يرقه وإنما آثر العودة والعيش على تراب وطنه وتحت سمائه على أي ميزات أخرى قد يصيبها في أرض المهجر وقد كلفه ذلك ما كلفه من ثمن لكنه رجح الوطن واختاره لحبه الصادق له وعشقه لترابه ولرائحته ولأناسه ولبسطائه. إذ لم يكن يتغنى بحب الوطن أو يبث لواعج الشوق للوطن من أرض المهجر كما يفعل المهاجرون وإنما كان ترديده لهذا الحب أمراً مكروراً ومشهوداً من داخل الوطن رغم أنه لم يكن ينعم فيه بحياة رغدة أو عيش هنيء أو يملك فيه منزلاً ولا حتى أرضاً شاغرةً بل كان يعاني كما يعاني الكثيرون ويكابد حياته ويعيش همومه مع غمار الناس من أقربائه وأهله وأصدقائه وزملائه منحازاً إليهم مؤثرا اياهم مخالقاً لهم بالخلق الحسن. وعلى هذه القيم السمحة وغيرها من قيم ومعان مما شهد به الأكثرون أسس سيرته العطرة وخلد ذكراه السمحة وأبقى أثره الطيب وبلغ مداه البعيد الذي يشهد به كل من يعرفه فذكّرنا في هذا المقام بقول الشاعر :-
يريد الملوك مدى جعفر ولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم في الغنى ولكن معروفه أوسع

ارحم اللهم الراحل رحمةً واسعة، وأبق ذكراه عطرة وأرفه يتفيأ ظلالها أبناؤه وأهله ومحبوه ومعارفه، واجعل البركة فيهم جميعاً، واشمله اللهم بغفرانك وعفوك ورحمتك يا واسع المغفرة والعفو والرحمة، وألهمنا جميل الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.


الصديق الزاكي الصديق (أبوظبي)

الخميس، 10 ديسمبر 2009

ضيف على الرزنامة.....مدن الملح .. السودانية!


ضيف على الرزنامة

مدن الملح .. السودانية!

(24/11/2008م)

المرحوم/ نجم الدين محمد نصر الدين

(1957م ـ 2009م)

في الثامنة من صباح الأربعاء 2/12/2009م فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها، بمستشفى القصر العيني بالقاهرة، بعد رحلة طويلة شاقة مع آلام الفشل الكلوي، فواريناه الثرى، صباح اليوم التالي، مع أسلافه الصُّلاح بمدافن أربجي العتيقة. اللهمَّ إنا لا نزكي حبيبنا نجم الدين عندك، وهو عبدك الذي ما هان إلا عليك، لكنا، نحن الرافلين في سُنَّة الصَّلصال الأزلي، وجبلة الحمأ المسنون، لا نملك، كلما رفت ذكراه الطيِّبة، إلا أن نذرف الدَّمع السَّخين حزناً على نفسه السَّمحة، وفؤاده الزكيِّ، وظله الخفيف، وعُشرته الحلوة، وسيرته العطرة، وسريرته النَّقيَّة، وعلمه النافع، وكدحه الصالح، ومنظره اليشرح، ومخبره اليبهج، ومحضره اليؤنس، ولقياه التروق؛ فوسِّع، يا ربُّ، في مثابه، ومهِّد لنزله في مراقد المقرَّبين إليك، المرضي عنهم لديك، مع الصّدّيقين والشُّهداء وحسن أولئك رفيقا، واشمله، اللهمَّ، بغفرانك وعفوك ورحمتك، يا واسع المغفرة والعفو والرحمة، واجعل البركة في ذريَّته وأهله، والهمنا، نحن أصدقاءه وعارفي فضله، جميل الصبر والسُّلوان، ولا قوَّة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

كمال

الإثنين

مضى عام، ولحق به آخر أو تولى، والخرطوم ما تبرح تتراءى كسراب بقيعة يحسبه الظمآن من أمثالنا ماءً، بل أملاً عصياً لن نبلغه أبداً، مهما كابدنا ومهما طال سفرنا. إنها المرة الأولى التي يفصلني فيها عن الوطن، منذ صرخة الميلاد، مثل هذا الغياب السحيق. نعم تصلنا الأخبار، عبر الأثير، عبر الأسفير، عبر الصحف الورقيَة تصلنا، مع القادمين والآيبين والعابرين تصلنا، العامة منها بانتظام، والخاصة متقطعة، لكنها، على أية حال، تصلنا. ومع ذلك هيهات أن تشفي لنا غليلاً، فليس من رأى كمن سمع!

أول ما جذب انتباهنا المطار بما لم نكن قد تركنا فيه من أثر. لقد زيدت منافذ تمرير القادمين، وأضحت الإجراءات نفسها أكثر يسراً. كذلك ارتخت، وإن لم تنفرج تماماً، تلك القبضة الحديدية القديمة البغيضة، وذلك الإحصاء للأنفاس الذي كانت تمارسه سلطات الجمارك، وعسف ضباطها واشتطاطهم في تفتيش حقائب المسافرين، ينبشون أحشاءها، ويجسون وجوهها وظهورها وزواياها، تماماً كمن ينقب عن إبرة في كومة من القش! يا زول .. قل، باختصار، أننا، في هذا الجانب، قد لحقنا، شيئاً ما، بطرف من السلوك الرسمي لأهل التحضر، وإن تبقت لدينا نواقص ومعايب، بعضها مدعاة للعكننة، ولعل أهمها أن وزارة الداخلية ما تزال تصر على اقتضاء (رسوم تأشيرة الخروج) التي لا نظير لها في أي بلد أخر، بل والملغاة، منذ سنوات، في بلدنا نفسها، و .. بأمر رئاسي! فإذا لم يستخرجها المغادر مسبقاً، فسوف يضطر لسدادها، حتماً، بالمطار، عداً نقداً قبل الولوج في صالة المغادرة، وتطلق الداخلية عليها (رسوم استيفاء) كاسم دلع! وأذكر أن صديقي كمال أثار هذه المسألة في رزنامته أكثر من مرة، رابطاً إياها بحرية التنقل التي هي من أهم حقوق الإنسان المنصوص عليها ضمن المواثيق الدولية، فضلاً عن وثيقة الحقوق في الدستور الانتقالي، ولكن .. قد أسمع لو نادى حياً! فلا يبدو، عموماً، أن أمامنا سوى التذرع بجميل الصبر، وبالحكمة القائلة بأن العافية، في أصلها، درجات!

في الباحة الخارجية لفحت وجوهنا نسمات محتقنة بالندى والوقت يدانى السحر، فالهزيع الثانى من الليل إلى انطواء. مثل هذا الهواء هو ما ألفته رئتاي في بلدي، ولم تألف سواه في بلاد الآخرين، فأخذت أعب منه بشراهة. وتذكرت مشهد بعض من طال بهم النوى من المصريين يقبلون تراب بلدهم أول ما تطأ أقدامهم أرض مطار القاهرة؛ ولكم وددت، لولا العلة، أن أفعل، تعبيراً عما اجتاحني، ساعتها، من فرح خرافي بمعانقة هذا الوطن الخرافي!

إنطلقت بنا العربة تشق غبشة الفجر، وهبوب صبا السحر ندي بليل. فمررنا، لدهشتنا، ببنايات عالية صقيلة، بعضها حكومي وبعضها الآخر خاص، تتلألأ كلها كتلك التي بجزيرة مانهاتن بنيويورك، أو تلك القائمة وسط المدن الأمريكية الضخمة كشيكاغو فى الغرب الأوسط، وهيوستن بتكساس، وسان فرانسيسكو بكاليفورنيا! الفارق الوحيد أن عمائرنا هذه قد شيدت حيثما اتفق، واشرأبت بأعناقها الطويلة تمد ألسنتها، من علٍ، إلي ما يحيط بها من بيوتات طينية قديمة بالية مهترئة، في افتقار تام للتناسق والتجانس والانسجام، مما يجعل المشهد كله مدعاة للنفور، بحيث يضيع بهاء البنايات الزجاجية التي أضحت كالزنابق في الوحول، وتزيد حالة التقزم والقبح فى المباني القديمة التي غدت كما الأيتام في موائد اللئام، فبدا لي أن التخطيط العمراني، وإلى حين إشعار آخر، غير معنى بأكثر من سلامة الهياكل الخرصانية، وقياس ارتفاعاتها، وبُعدها عن حوائط الجوار. أما في ما عدا ذلك فالجميع، حكومة ومالكين أثرياء، في حل من عدم التقيد بأي ضوابط أخرى، ناهيك عن أن هذه الضوابط الأخرى نفسها غير موجودة، فلهم، إذن، أن يفعلوا ما شاءوا ببناياتهم، مستطيلة أو مستديرة أو مربعة أو حتى متوازية الأضلاع، يطلونها بالأحمر أو الأخضر أو الأصفر أو الأزرق، فهذا كله من ضمن حرياتهم المصونة، بل لعلها الوحيدة المصونة حقاً وفعلاً، مع العلم بأن خبراء تخطيط المدن فى كل بلدان العالم يصرون على ما يعرف بوحدة الجوار أو المماثلة فيه، بالغاً ما بلغ من البساطة، وعلى تجانس الألوان واتساقها وإراحتها للعين والنفس، فليس المبنى لمالكه فقط، وإنما للجميع، للغاشي والماشي، ولكل من يحتمل أن يقع ناظراه عليه!

كنا، في ما مضى من أزمان، نخشى على مستقبل المدينة إن هي وقعت في قبضة رعاة الشاء. لكن ها قد وقع المحظور الآن، فإذا بالخرطوم مزيج من ملامح المدن البترولية باذخة الثراء المالي، فقيرة الثقافة الروحية، مما ينعكس في نوعية مبانيها الشبيهة بتلك التي أسماها الروائي الراحل عبد الرحمن منيف (مدن الملح) القائمة في خواصر الصحاري، بتصاميمها النابية المستوردة بكاملها دونما أدنى مراعاة للواقع المناخي أو الحضاري؛ مسطحات وجدران عملاقة من بلاط السيراميك والزجاج الملون، شبكات من وحدات تبريد عملاقة باهظة الأثمان، بكلفة تشغيل لا يبدو أنها تقلق أحداً من أثرياء الريف الجدد هؤلاء، إيغال في طرق وأساليب حياة تحتشد، لدى القلة، بالرفاه على النمط الاستهلاكي العبيط، بينما أكثر الشرائح تفتقر حتى للمستوى المعيشي الذي تحظى به مثيلاتها في (مدن الملح) تلك، فتجدها، رغم اكتشاف واستخراج وتصدير البترول، أشبه ما تكون بالمدن الأفريقية الساحلية الفقيرة، حيث أكواخ الصفيح المظلمة، وعشش الكرتون البائسة، تكتظ بمخلوقات تعيش على خشاش الأرض أو دونه، بينما المترفون، أصحاب الأبراج الزجاجية الصقيلة الشاهقة، تقوم أنديتهم على مرمى حجر، يحيون فيها حفلاتهم الصاخبة التي تعج موائدها بكل ما طاب ولذ من لحوم ذوات الأربع، وذوات المناقير، والسابحات في النهر والبحر، وما لا عين رأت ولا أذن سمعت من صنوف الحلوى الشامية واللبنانية والتركية، بينما المتحلقون حولها فاقدون للشهية من تخمة الغداء الدسم في بيوتهم، ومن نومة ما بعد الغداء تحت فحيح المكيفات الناعم، فتجدهم بالكاد يمسون الأطباق بأطراف أناملهم، ثم يتركونها نهباً لمن يتخطفونها من ذوي الأسمال البالية يصطرعون عليها، آخر الليل، مع القطط والكلاب، يلتهمون بعضها، ويتراكضون ببعضها صُرراً لزغب حواصل يتضورون جوعاً في ظلام الأكواخ، ثم قد يدخرون ما يفيض، تماماً كفعل النمل في الشتاء!

زادت الجسور عدداً، فمنها الطائر، ومنها المعلق، ومنها التقليدي، ومنها ما لا يزال تحت التشييد؛ لكن اختناقات المرور هى نفسها، إن لم تكن قد تضاعفت! أغلب الطرق، سريعها وبطيئها، تفصل بينها كتل من الاسمنت والحواجز الخرصانية التي تكفى تكلفتها لاقامة طرق أخرى كاملة، وذلك في غير ما معنى، اللهم إلا سوء الظن بمستخدميها! وقد رأينا في بلدان أخرى كيف يكتفون بخطوط فاصلة بيضاء وربما صفراء تميز بين معبر وآخر، والناس قد تعلموا الالتزام بها، لا يحيدون عنها قيد أنملة، بل يحفظونها كتابا. أما الطرق العرضية المتقاطعة مع الطولية، كما في شارع المك نمر، على سبيل المثال، فقد أغلقت تماماً، وإذا أردت أن تطرقها فما فعليك إلا أن تسير حتى تبلغ نهاية الطريق، ثم تستدير لتعود ثانية، وبهذا يهدر الوقود، ويضيع الوقت، وتتعقد أوضاع المرور، ويسود البطء والتكدس، بينما السائقون الغارقون في العرق يمدون أعناقهم عبر نوافذ السيارات التي تغلي محركاتها كالمواقد بفعل حرارة الطقس، يسألون بعضهم البعض عمن يكون العبقري صاحب هذا التخطيط!

الثلاثاء

في أنباء الكوارث أن معلماً مصرياً في إحدى مدارس الإسكندرية ضرب تلميذاً في الحادية عشر من العمر ضرباً أفضى إلى موته! ولأن الحال من بعضه فقد أيقظ الخبر الحديث مجدداً حول عقوبة الجلد في المدارس، وما إن كانت، بالفعل، وسيلة ناجعة للتربية والتعليم!

لقد طويت هذه الصفحة، في البلدان المتقدمة، طياً تاماً، بتحريم ضرب الأطفال تحريماً مطلقاً، وربما بشكل متطرف، ليس على مستوى المدرسة فحسب، بل حتى في نطاق الأسرة، بحيث أنهم وفروا للأطفال رقماً هاتفياً حفظوه كتاباً، وهو 911 يلجئون إليه حين يصيبهم مكروه من ضرب أو نحوه، فيتصلون تواً بهذا الرقم لتأتيهم النجدة في هيئة قوة شرطية توفر لهم الحماية المطلوبة، والتي قد تنتهي بانتزاعهم من الأسرة، وحرمانها منهم، باعتبارها غير مؤهلة لتربيتهم! وعموماً توفر الدولة للأطفال في هذه البلدان كل مقومات الرعاية والعناية والسلامة؛ فالبص الذي يقل أطفال المدرسة، مثلاً، لديه امتياز لا يتاح لغيره، فحين يوقفه سائقه، ويشغل أنواره المتقطعة، فإن من يتخطاه يواجه غرامة قد تبلغ المائة دولار، يتجرعها المخالف جزاءً وفاقاً على فعله القبيح الخطير! وهو مبلغ باهظ حقاً إذا علمنا أن الناس في تلك البلدان لا يعملون، عادة، بالسمسرة، ولا يصيبون مالاً سهلاً يهون عليهم تبديده كل يوم في الغرامات!

قالت لي الطبيبة التي تشرف على علاجي في الخرطوم، حينما علمت صلتي بالكتابة الصحفية: لماذا لا تتناولون امتهان سلامة أبنائنا البدنية، ناهيك عن النفسية، تحت سياط معلميهم؟! وروت لي أن طفلها قد أوسعوه، في اليوم السابق، ضرباً بالمدرسة، في إطار عقاب جماعي، حتى أدموا عجيزته! وما ذلك إلا لأن التلاميذ أحجموا عن إفشاء اسم أحدهم كان قد ارتكب مخالفة ما! فهل يعقل هذا؟!

يبدو أن السيل فعلاً قد بلغ الزبى، ولم يعد الصمت عليه ممكناً. لهذا لا بد من تدواله بين المسئولين والمختصين، بالسرعة المطلوبة، وبلا أدنى حساسية، وبأقصى درجات الشفافية، تمهيداً لاتخاذ ما يلزم من قرارات وإجراءات عاجلة بشأنه، وإلا أصبحت وزارة التعليم العام بأسرها في محل الاتهام! ولتكن غاية هذا التداول وسطا بين التشدد في المنع وبين الإفراط في العقاب، مراعاة لمطلوبات التربية المكتملة والتعليم الجيد. لكن، في كل الأحوال، "حين لا يبقى غير الجلد بالسوط، فليبدأ الإذلال العام!"، على حد قول الكاتب المتميز عبد الله علي إبراهيم، على لسان إحدى شخصيات مسرحيته (الجرح والغرنوق)!

الأربعاء

المحكمة الدستورية هي الموجهة المفترضة لمقود التحول الديمقراطي، بما يخضر ويورق بين يديها من نصوص الدستور عند التطبيق. وحين غادرت الخرطوم، قبل عامين، كان في أضابيرها عدد مقدر من الدعاوى، تضاعف، لاحقاً، في سياق التصدي المستمر لانتهاكات الحقوق الدستورية، ولطلبات حمايتها. لكن، مقارنة بالرسوم الباهظة المقررة على الطعون، رغم أنها الأولى بالمجانية، بل وبتوفير العون القانوني لطالبيه، إذ يتصل الأمر هنا بقدس أقداس الحقوق، فإن المحكمة، للأسف، لم تقم حتى الآن بما كان يتوقع منها عندما تمت إعادة تشكيلها وفقاً لنصوص الدستور الانتقالي لسنة 2005م. فما أكثر ما تراكم في أرشيفها من طعون بانتظار البت فيه، رغم بساطة ووضوح الإجراءات المطعون ضدها؛ وما أكثر ما قرَّرت عدم التدخل فيه من هذه الطعون، وشطبه إيجازياً، رغم مفارقة موضوعاتها الظاهرة للدستور؛ بل الأنكى أنها، حتى في ما فصلت بموجبه من أحكام في بعض الطعون، قد تجاوزت حدود صلاحياتها، حيث حمل قرارها طابع الأحكام التي تصدر والبلاد خاضعة لأحكام الطوارئ، مما عرضها للنقد من بعض الخبراء المختصين. وفي ما عدا رأى مخالف وحيد جاء، كثور الشامة الأبرق، في الطعن المشار إليه، بتوقيع نائب رئيسها مولانا الطيب عباس الجيلي، وآخر أصدره رئيسها مولانا عبد الله الأمين البشير في طعن قدم ضد دستورية المادة 243 من قانون الإجراءات المدنية القاضية بحبس المدين الفاشل فى قضاء ما عليه من دين حتى السداد، تنفيذا للأحكام الصادرة بالطرق المدنية، فقد كان مصير أغلب الطعون المهمة، بما في ذلك الطعنين المشار إليهما، هو الشطب في نهاية المطاف.

يجأر الناس بالشكوى من أن الدستور، وبالأخص باب الحقوق والحريات، أضحى خرقة بالية تتسع فتوقها، يوما بعد يوم، على الراتقين؛ وبالنتيجة أصاب الجمود والعطب قضية التحول الديموقراطي حتى تعطنت؛ وأضحى من الصعب أن ينأى أحد بالمحكمة الدستورية، مع كامل الاحترام والتوقير لها، عن المسئولية في هذا الشأن الوطني الجليل.

الخميس

ظل مبلغ همي، منذ عودتي إلى الوطن، أن أعثر، بأعجل ما يمكن، على مركز لغسيل الكلى في موقع قريب لسكني، حيث عليَّ أن أخضع لجلسات الغسيل ثلاثة أيام في الأسبوع، وليس ثمة عذر لتأجيل أي منها، مهما كان، وقى الله السامعين شرور هذا الداء اللعين! إنطلقنا ننقب عبثاً هنا وهناك وبين ذلك قواما، فلكأننا نحفر في الصخر بالأظافر، رغم أن ما نطالع من بيانات وزارة الصحَّة وإحصاءاتها تترك لدى المرء انطباعاً لا يتطرق إليه الشك بأنه لا بد واجد في كل زاوية مركزاً للغسيل! فمرض الفشل الكلوي في انتشار مروع، وقد غادرت البلاد لأكتشف إصابتي به بعد تشخيص حالتي في موطن إقامتي الجديد. وهكذا أصبحت أهتم بأخباره في السودان، وأتابعها، فالصبُّ للصبّ نعم المؤاسي!

صحيح أن بالخرطوم الآن أربعة وعشرين مركزاً للغسيل الدموي، وفيها جيش من العاملين الذين تلقوا تدريبا جيداً وخبرة وافرة. لكن الكثير منها يتبع للقطاع الخاص الذي يهدف إلى الربح بالأساس، ولهذا يتركز في المناطق الراقية؛ بينما يتوزع الحكومي منها على المستشفيات العامة التي تقع في الوسط أيضاً؛ بينما هذه العلة لا تميز طبقة عن طبقة، ولا عرقاً عن عرق، ولا تستثنى نوعاً واحداً، ولا فئة عمرية معينة، ولا مهنة دون غيرها. الأطفال الأيفاع ممن يتعين أن يكونوا مع أترابهم في الرياض والحضانات، تجدهم يكتوون بجمر الغسيل؛ والذين في شرخ الشباب ممن يتعين أن يكونوا في قاعات الجامعات، أو معامل الأبحاث، أو منتديات الآداب أو الفنون، أو في دور الرياضة وأنديتها يتجادلون في أمر جمال الوالي، وحكيم الهلال، ووارغو النيجيري، يمكنك أيضاً أن تصادفهم في ورديات الغسيل؛ والشابات والقواعد من النساء، بدلاً من أن يكن منهمكات في أعمالهن المكتبية أو الميدانية، أو يستمعن إلى برامج الأسرة في مطابخهن، تستطيع أيضاً أن تراهن في مقاعد الغسيل؛ ولا يستثني هذا الداء المبدعين، فقد فعلها بالراحلين جيلي عبد الرحمن ومصطفى سيد احمد وعبد الله محمد خير. ولقد قاومه وتعافى منه، لحسن الطالع، عدد ممن انتاشتهم سهامه، كمحمد وردى وسيد احمد الحردلو؛ لكن ها هو ينتقي، مؤخراً، حجتنا أمام العالم .. الطيب صالح الذي لا يزال يصارعه، وإن كان ذلك على حساب وقته وطاقته وكل ما تنتظره الأجيال منه. وبمثل ما ينتقي هذا المرض اللعين، فإنه، في كثير الأحيان، يحتطب احتطاباً ليلياً أيضاً، ليصيب حتى العاطلين من الإبداع أمثالنا!

المطلوب الآن أن تقرع نواقيس الخطر بشدة، كي يبدأ إيقاف التدهور، أو الـzero growth كما يقولون. يجب أن نتعامل، بجدية أكثر، مع التفاقم المحير للمرض كظاهرة ندرسها بعناية، نسبر أغوارها، نكشف عن أسبابها، ونقيم، لأجل ذلك، الندوات، وورش العمل، والمؤتمرات، ونشجع وندعم المؤسسات البحثية. وعلى مستوى العلاج نسارع إلى سداد مستحقات هذه المراكز، وفقا لجدولة تحترم وتنفذ بدقة، حتى لا يعود يخيم علينا شبح إضراب جديد كما حدث بالأمس القريب، حين أضحى واقعاً ماثلاً ما كنا نظنه شبحاً مرعباً في الكوابيس وحدها. فقد تم تنفيذ الإضراب بنسبة كبيرة للأسف الشديد، وترك المرضى يدبرون أمورهم بأنفسهم! وتذكرت ما درجوا على تقديمه لنا من نشرات وإرشادات كي نعد العدة في حالة انقطاع الغسيل لأي سبب طارئ، لكن ليس من بين ذلك إضراب العاملين بطبيعة الحال! إتصلنا هاتفيا بالمركز فأبلغونا بأن علينا الذهاب إلى مستشفى الشرطة. هرولنا إلى هناك، فأبلغونا بأنه لا مكان لغير المسجلين في جدولهم! هكذا ابتلينا بالمرج، وتعرضنا لكل خطر يمكن تصوره، حتى تداركتنا عناية الله برفع الإضراب!

ينبغي أيضاً زيادة عدد الغسلات إلى ثلاث، فالاثنتان الحاليتان أقل من المطلوب، والدواء منقوص وغال، ومع ذلك يضطر المرضى الفقراء لشرائه أملاً في أن يكتمل أثر الغسيل المنقوص والغالي! ضف إلى ذلك غياب الفحص المعملي، وحتى إن وجد فهو، بدوره، يثقل كاهل هؤلاء المرضى بأعباء مالية لا قبل لهم بها.

والغسيل، بعد كل هذا، مجرد علاج وقتي لا يقطع شأفة cure هذا الداء. فآخر الدواء نقل كلية من شخص سليم تتطابق أنسجته ودمه مع أنسجة ودم المريض. ولقد أسعدني ما رأيت، في هذا الصدد، بمستشفى احمد قاسم ببحري، من مضاء عزم هذا البرنامج وحسن اضطراده، رغم عدم مواتاة الظروف العامة. رأيت إقدام الأسر وتدافعها للتبرع لمصابيها .. شيئاً فوق التصور! الأمريكيون يحتفلون أيما احتفال بكل حالة يتفضل فيها شخص بالتبرع لآخر، ويعدون ذلك مأثرة وبطولة تستحق الذكر والتمجيد الدائمين؛ بينما يشكل هذا لدينا سلوكاً فطرياً ليتنا نوليه اهتمامنا، وعنايتنا، وتثميننا العالي، وتشجيعنا التربوي، عن طريق إصدار الفتاوى الدينية التي تحض الناس على فضيلته، وتبين نبله، وعمق إنسانيته، وكذلك التثقيف العلمي الذي يوضح، بجلاء لا لبس فيه ولا أدنى غموض، انعدام أي ضرر يترتب عليه، ويثبت، بتقديم النماذج الحية، أن حياة المتبرع سوف تمضي عادية جداً بعد تبرعه، بل ومكتسية بسعادة غامرة، كونه، بتبرعه هذا، إنما يصنع حياتين two lives ، كما وصف ذلك مريض الفشل الكلوي الأشهر في السودان طيب الذكر المرحوم د. عمر بليل في كتابه الذي جعل هذه العبارة الموحية عنواناً له. ويمكننا أن نفعل ذلك كله عبر برامج الإرشاد الديني، والمناهج التعليمية والتربوية، وأجهزة الإعلام والصحافة؛ فالبذرة، مهما بلغت من الصحة والخير، تذبل إن لم نتعهدها بالسقيا!

الجمعة

أذهلني، وسط كل فقرنا المستشري، خبر صفقة رئيس نادى المريخ، جمال الوالي، لضم اللاعب النيجيري اليافع وارغو إلى صفوف الفريق بمبلغ مليونين ومائتي ألف دولار فقط .. لا غير!

وارغو؟!

المريييييخ؟!

قرابة الخمسة مليار جنيه .. الجنيه يطق الجنيه؟!

بربكم هل جمال الوالي هذا مقتنع بأنه رئيس نادي المريخ السوداني؟! أم يظن نفسه رئيس ريال مدريد الأسباني أو مانشيستر يونايتد الإنجليزي؟!

طيب! الكورة عند هذه الأندية الأوربية احتراف وصناعة رأسمالية، فما هي الكورة عندنا؟! وأنديتهم نفسها مؤسسات استثمارية ربحية، فهل نريد أنديتنا كذلك؟! بل دعونا نتساءل، وبراءة الأطفال في أعيننا: أي مجد سيحققه لنا هؤلاء الأجانب؟! وعندما ينتصرون، من يكون، في الحقيقة، قد انتصر: كورتنا أم سفهنا؟!

يا كباتن .. عيب!

شعبكم الفقير يعاني .. عيب!

و .. "نحنا هل جنينا أم عقولنا نصاح"؟!

السبت

أكثر ما كان يحبب السودانيين في جامعة الخرطوم في الماضي هيبتها، ومجانيتها، وجودة محتوى برامجها، ومثالية مناخها الأكاديمي، وحسن انتظام الدراسة فيها، ومساواتها الصارمة بين الطلاب في الفرص، وانضباطها في التمسك بمعيارية التنافس في ما بينهم.

وقد بلغني على أيام الطلب، أن اقتراحاً قدم لأحد اجتماعات مجلس الجامعة Senate بتجاوز معيارية القبول بالنسبة لإبنة أحد البروفسورات، وكان مجموعها ينقص بدرجة أو درجتين عن المطلوب، وفاءً لعطائه الجليل في كلية الطب! غير أن أستاذنا د. محمد الفاتح حامد، عميد كلية القانون وقتها، اعترض بهدوئه المعهود قائلاً: هذا فتح لباب الشيطان، فالزميل فوق هامتنا، وإبنته إبنتنا، لكن المعايير شيء يدنو من القداسة، وإذا فرطنا فيها اليوم، فلن نستطيع المحافظة عليها غداً. كان البروف والد الطالبة أول المتفقين مع رأي أستاذنا، وهكذا تنفس المجلس الصعداء، وتم الاعتذار للإبنة، وحمت الجامعة عهدها.

خطرت لي تلك الواقعة البعيدة بمناسبة ما نشهد اليوم من تراجع عن تلك المعايير، ليس في جامعة الخرطوم وحدها، وإنما في كل الجامعات التي انتشرت بأعداد فلكية، حيث تضيق فرص المتفوقين الذين يودون دراسة تخصصات بعينها، لكن مجاميعهم نقصت ببضع درجات عن بلوغها، وفي نفس الوقت لا يملكون من المال ما يكفي للقبول الخاص الذي يتسع فقط أمام الطلاب المقتدرين، وإن كانوا أقل تفوقاً!

غير معقول، بالفعل، أن يحرم طالب طموح من الالتحاق بكلية يحلم بها لمجرد أن مجموعه نقص ببضع درجات يحسبن على أصابع اليد الواحدة. وصحيح أن الحل لا يكون بتجاوز معيارية درجات القبول العام. لكنه أيضاً لا يكون بإفساح الفبول الخاص لذوي القدرات المالية وحدهم. الحل الأمثل أن ينشئ المجتمع صندوقاً للقبول الخاص لغير المقتدرين من النابغين الذين قعدت بهم عن القبول العام بضعة أرقام، على أن تحدد الجامعة أيضاً معيارية هذه الشريحة مسبقاً. هذا ما تقوم به، في شتى أنحاء العالم، منظمات مجتمع مدني متخصصة، ورجال أعمال يتم تشجيعهم بخصم مساهماتهم من جملة ضرائبهم السنوية!

الأحد

ذات صباح من صباحات الأيام الخوالي، كنت أنتظر جلستي داخل قاعة محكمة الخرطوم الجزئية، فحضرت طرفا طريفاً من سماع دعوى بموجب قانون الإيجارات. كان المدعي معلماً أزهرياً بالمعاش، وقد اشترى، بتحويشة العمر الذي قضاه في تدريس الفصحى، منزلاً بديوم الخرطوم الغربية يعيش من ريعه، فاستأجره منه أحد العاملين القادمين من الهامش، ممن ليست العربية لسان أم له أو أب، لكنه فشل في سداد الأجرة، فأصبح الطرف الآخر في الدعوى. كان ظن المعلم أنه يتعين عليه مخاطبة المحكمة بأفضل ما لديه من مخزون لغة الضاد! أما خصمه فقد طفق يحدق مرعوباً في وجه المعلم الذي انبرى يخطب بحماس:

ـ "إن الحق إذا حصحص، وانقدح في وجدان المحكمة السليم، واستوى ميزان العدل بين راحتيها، فلا مناص من أمرها بإخلاء هذا المكتري للعين موضوع المنازعة في التو والحين، إذ ما فتئ يجحدني، الأشهر الطوال، ما يقابل سكناه فيها، فيجحد عيالي، بالضرورة، ما يسد رمقهم بالكاد، وما من سند لهم عداها سوى فالق الحب والنوى، و .."!

فما كان من المدعى عليه، المغلوب على أمره، إلا أن قاطعه صائحاً:

ـ "مولانا ممكن بالله ياخي تخلى زول ده يتكلم عربى"!