فصول من السهل الممتنع
"سمحة وسمرية": عرس "الكورة" الايجابى
بقلم نجم الدين محمد نصر الدين
السهل هو المكان المنبسط الممتد الخالى من العقبات والعوائق ، وهو عكس الحَزن،يقولون فى معرض الدعاء :- انك تجعل الحزن سهلا إذا شئت ، وهو ما يملاء الفؤاد ثقلا ويحرك الشجون ، وفى الامهرية الفصحى "حزن بيت" هومكان العزاء ، اسرداقا ام خيمة ام غيرهما كان ، او "لكسو" بيت ، والتى هى بكاء وإنتحاب ، والسهل الممتنع ، هو ذاك الضرب من الكتابة الهينة اليسيرة المفردات ، التى لا تدق على الفهم والاستيعاب ، ويمكن للقارى والمتتبع او المستمع لها ، ان يدرك ويتحسس مراميها ، ومعانيها ، ويفكك مكوناتها كلمة ، كلمة ، بحيث يوغر فى قلبه ، ويسكن صدره إحساس ، بانه يمكنه هو أيضا الكتابة بها او بواسطتها ، هكذا ، فما ايسر امرها ، ولكنه آن شروعه فى هذا او شى منه ، يصطدم بالامتناع ، ولا يفتا يحاول ، ويكرر المحاولات ، فيوهى منه القرن ويدمى العظم دون نتيجة ، وهذا هو الذى يجعلها عصية على الاتيان بمثلها ، ولقد عرفت فى الادب القديم ، والوسيط ، والمحدث ، ولقد اشتهر بها عميد الادب العربى الدكتور طه حسين ، وقبله ابن المقفع ، وسنورد بعضا مما نعتقد ان من هذا به شى او اشياء ، وسوف يكون المفتتح قصيدة القدال، حاردلو زماننا وعصره هذا بلا منازع ، ذلك القادم من وسط الجزيرة ، نتاج ثقافة بئية احمد محمد صالح فى ودسلفاب بحسب سبل كسب العيش فى السودان ، فى حصص الجغرافيا ، أوان كانت للجغرافيا حصص ، نفس تلك التى قدم منها الفنان القامة السامقة ، الذى صدح بالكثير من اشعاره لولا معاجلة الايام برحيله المبكر الفاجع ، وهو ابن هذا المكون دون اغراق فى محلية بعينها او انحباس ، مع الاخذ با طراف من الاطياف جمعها ، وما بين ايدينا اليوم مما تغنى به العبقرى رتل التفرد الابداعى المرحوم مصطفى سيد احمد ، الذى اغنى الكثيرين انفسهم عن متابعة فرائده ، إذ ان غنائه اصطبغ بصبغة اختص بها دون سائر البوهيات والالوان ، وفى هذا ظلم للانفس وحرمان لها من الاغتراف من واحد من افضل المنابع واعذب العيون . وهى دعوة خلافا لما سبقها من دعوات للتزويج الميسر، المنطوى على كسر التقاليد ، وهدم المالوف المستقر، من تسليع للمراة او الفتاة السودانية ، وطرحها فى جماعية تجعل المطالبة بمهر اقل مبررة . اوليس الموت نفسه مع الجماعة عرس بالنسبة لنا نحن من عاشوا هذه المعانى ؟؟!! ولكننا نلا حظ هنا دور اكثر ، وايجابية كاملة، ومشاركة صميمة فى الاختيارات سائرها ، ووعى وتجرد تام ، ومناداة بتخطى حالة التحريك الذى تخضع له الفتاة والنص يقول :-
سمحة وسمرية..
محبوبتى ولفتاتها غزالة
خضرة ومسقية
جنب النيل مشتولة النالة
هواك يابنية كتبتو قصيدة
وبقولو مقالة
حبك فتح فينى معانى غناى
اداها مجالها ...
بقرأة النص ، لا نجد غير كلمة النالة ما يمكن ان نعتبره مستغلقا قليلا على البعض مما يظن بهم عدم معرفة به ، والنال ضرب من "الابا" او الحشائش البرية التى تنمو فى بوادى السودان ، مستقيمة العود ، زكية ،عبقة ، شذية الرائحة ، يستخرج منها المحريب الذى يشربه البعض استشفاءا، ويمتازنبات النال بالجمال ، ولقد ورد فى رائعة فى الضواحى وطرف المدائن للخليل :-
يا الطبيعة الواديك ساكن
ما فى زيك قط فى الاماكن
ياجمال النال فى ثراكن
و ياحلاة البرعن أراكن
بقفاهن تور قرنو ماكن
**---***----***---***
يستطرد القدال ....
زهرة وبرية
وبشوق الارض عيونا كحالا
تريانا ندية بعرق الناس والناس فى بالا
ياخوفا عليا
عقل وثبات ماها الولوالة
لا نجد ما يتجاوز اليسر بقيد هنا ، الا اذا اعتبرنا كحالا بها من الاستغلاق يسير طرف ، وهى انها لصيقة بتراب هذا الوطن ، او قل من مكوناته إن شئت ، وتريانة اى مترعة ممتلئة حد التشبع ، انغماسا فى هموم وقضايا الناس ، والتعايش معها بصمامة فى المشاركة وابتعاد عن الولولة ، والجزع مع تام الاستقصاء ، و الحيطة كلها والحذر ، متوجبى الاتباع ، و الفهم الكامل والعميق ، لما حولنا من ظروف ، وملابسات عيش ، وهى ضربٌ آخر من النساء ، ليس اولئك ذوات الخدور، والخلاخيل ، نؤؤمات الضحى ، الرافلات فى النعمة والترف والحبور ، واللائى ليتم اقتران بهن، يتعين ان يتم ذلك فى اوكازيون ، ليكون ممكنا حدوثه ليس غير والا صار عبئا عصى التخطى والاجتياز ، عسير البلوغ الا بشق الانفس .
من فرحى البيا قلعت الخوف
و كستنى بسالة
قلت ليها النية متين نتلم والحال بطالة
قالت لى غنية وانتى معايا
بنت سودانية ومستورة حالة
السهولة كلها ، وعادية ومطروقية التعابير ، كانها تسير بيننا ، بما ملؤه الصدق والابانة ، تسآل العاشق فرحا جزلا انى ومتى يحين اجل الاقتران ؟ والظروف والايام لا يتيحان ذلك بالقدر المفروض؟ كيف التئام يكون والاوضاع هكذا ؟ وتاتى الاجابة من صاحبة الشان والشخص المعنى بامره وإدارته له ، خلافا لاولئك الخاضعات لمنظومات اجتماعية تقرر نيابة عنهن فى مصائرهن ومالاتها . يغالى الناس فى المهور وسائر مستتبعات امرالاقتران مغالاة تكاد تجعله الى العسر اقرب وبالتالى ولتخفيف هذه الغلواء ، قامت الكثير من المؤسسات الداعية لهذا الضرب من زواج الكورة، اى ذاك الجماعى ، فى اغلب الاحيان المرسومة فيه الحدود القصوى لما يمكن القيام به تخفيفا على ازواج المستقبل حفزا وتشجيعا لهم ، وربط ذلك بالتدين والتاكيد على انه من دواعى توفر البركة ان تقل المهور فى تناسب طردى ، والتبارى فى تعزيز مثل هذه الصور ؛ سيما وإننا صرنا نشهد وباضطراد الكثير من حالات التقاعس قالت الامدرمانية التى ادركها زواج (الكورة)الذى نظمه السيد الامام عبد الرحمن ..ود المهدى إنصلح الضوقنا بوخة الطلح ... . يجابه الاستعصاء بالحل الذى لم يمتحن ويجرب كثيرا ، مع انه الافعل ، والانجع ، والاقرب لتحقيق كامل انسانيتنا ، و الذى هو الاغتناء بالاخر ، والاستعاضة عن المال ، والمظاهر المادية ، والتى هى الى زوال بجواهر المطلوبات فى الحياة ، من تيسيير وستر للحال ، فى ترادف لكل الاوصاف الحسنى ، الواردة فى حق هذه الشابة الجميلة ، الرزينة الصميمة ، المدبرة الناضجة المسوؤلة . كل هذا ينساب وبالصوت العامر الندى للفنان القامة مصطفى ، فى مصاحبة العود مثل قراصة التمر كما قال المرحوم على المك التى لاتضر القلب ولا المعدة ، ويمكننا ان نذهب ابعد ونقول تصلحهما .وهكذا دوما القدال ابن بئته ومن اصدق مراياها فالصدق والبساطة وجمال الصور وبهائها هو بعض بضاعته .
الخميس، 10 ديسمبر 2009
سمحة وسمرية": عرس "الكورة" الايجابى
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق