| حول تعديل قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983 |
بقلم: نـجم الدين محمد نصر الدين-المـحامى
فى المقال الذى تم نشره بهذه الصحيفة الغراء بواسطتى وتحت عنوان «زيادة سعر البنزين وإصدار المزيد من القوانين» والمنشور بعدد الاربعاء 12/5، اشرت مقتضب إشارة إلى قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983، ذلك القانون السبتمبرى الذى عمدت الانقاذ الى تعديله بمرسوم مؤقت والذى لم تطله يد التعديل او التبديل كثيراً منذ صدوره، والتعديل الصادر قاصر على باب التنفيذ ضد حكومة الانقاذ ومؤسساتها وسائر وكالاتها فيما هو ترجمة لـGovernment Agencies )) كى ترفع يد المحاكم المختصة المصدرة للاحكام المستنفذة لجميع طرق الاستئناف والتظلم المتاحة قانوناً، حتى المحكمة الدستورية التى في ما يبدو اصبحت على الاقل مرحلة اخرى من المراحل التى كانت قاصرة على غيرها، ولم يعرفها الناس على إستقلال إلا بعد صدور الدستور الذى شرعته الانقاذ وعرَّّابها قبل أحداث رمضان الشهيرة، إذ أنها كما أشرت فى مقال لى. لم يتم نشره بسبب الحظر الذى أصدرته الهيئة القضائية بمنع الصحف السيارة من تناول أدائها، وإلا تحركت آلة الإجراءات الجنائية فى مواجهة الصحيفة الناشرة. ولقد ورد فى ذاك المقال إن المحكمتين العليا والدستورية كانتا رتقاً ففتقتهما الانقاذ لشئ فى نفسها، ولقد كانتا بالفعل كذلك أو أنها كانت دائرة من دوائر المحكمة العليا، تنعقد حينما يكون هنالك مقتضى لانعقادها. إن أول ما يلاحظه المرء على هذا التعديل هو صدوره بمرسوم رئاسى مؤقت فى صريح مخالفة وجليها لدستور الانقاذ الذى اجاز ذلك فى أحوال معينة ليس هذه منها بأى حال ولا يمكن لها ان تكون.
المادة «33-4» من قانون الإجراءات المدنية تلزم من ينوى التقدم بدعوى مدنية فى مواجهة الحكومة او أىٍّ من مؤسساتها او اذرعها وقبل بدء الإجراءات ان يقوم بإنذار النائب العام الذى هو محامي الحكومة والجهاز التنفيذى انذاراً أجله ستين يوماً تزيد ولا تنقص، ولا يمكن تصريح الدعوى دون إنقضاء هذه العدة وإلا أُعتبرت سابقة لاوانها Pre---Mature. وغرض المشرِّع من هذا هو منح الحكومة فرصة كافية إن كانت تنوى تسوية وحلاً ودياً للنزاع أن تقوم بذلك توفيراًً لوقت المحاكم النفيس وجهدها وجنوحاً الى الصلح باعتباره سيد الاحكام. علماً بأنه وفى جلِّ الاحوال فان الامور تسير فى اتجاه المقاضاة ودروبها الوعرة إلا لمن وجد لغير هذا سبيلاًً أو استطاع. إن الدولة وبحسب التعريف الدستورى ولأغراض القانون شخص معنوى أو إعتبارى كالشركات والهيئات يجرى عليه ما يجرى على هولاء جميعاًً وما يجرى على الشخص الطبيعى. والدستور ينص على حق المساواة امام القانون التى يتعين ان تكون شأن الجميع، ولكننا نلحظ هنا وبموجب هذا التعديل فلقد تم منح الحكومة إمتيازاً يحرم الآخرين من مساواتها بهم مما لا نجد له تفسيراً أومسوغاً. إن التبريرات التى سيقت فى ديباجة التعديل لا تبرره ولا تكفى لإصداره من أن هنالك الكثير من الديون الربوية المتراكمة على الحكومة طوال هذه المدة ولا سبيل لإجبارها لردها قضاء بعد صدور الاحكام الموجبة لذلك، فالتذرع بربوية الاموال أتى عليه حين من الدهر كافٍ للقول بالانتهاء من آثاره، عقدان ونيف من الزمان إنصرما منذ صدور قوانين سبتمبر فى العام 1983. والمادة 110 من قانون الاجراءات المدنية موضع التعديل هذا تمنع إصدار أى حكم بالفائدة من حينها والى يوم الله هذا، فهل يعنى ذلك ان هنالك نزاعات لم يتم الفصل فيها مع الحكومة امدها يفوق العشرين عاماً؟ إن التعديل كان سيكون "مبلوعاً" لو انه كان قاصراً على ما لم ينتهِ من مطالبات رغماً عن انطوائه على كل بقية المخالفات الدستورية والقانونية لكنه ان يتحدث حتى فيما لم ينشأ من نزاعات أى المستقبلى منها فذاك ما لا نجد له سوى تفسير واحد.
إن النائب العام كما أسلفنا القول يظهر فى الاجراءات القضائية حين فشل مساعى التسوية خصماً للمدعى نيابة عن الحكومة وينافحه طوال الاجراءات سعياً لشطبها والحيلولة بين مقيم الدعوى وإصدار حكم لصالحه بكل الوسائل القانونية -ولا نقول- وغيرها حتى صدور الحكم والذهاب الى المحاكم الاعلى معارضاً للحكم سعياًً لإبطاله ونقضه، والذهاب فى ذلك الى آخر الشوط بطلبات الاستئناف والطعون بالنقض والمراجعة وبعد الفراغ من كل هذا وسيره جميعاًً على الوجه الذى يشتهى المدعى او المستأنف او الطاعن اىاً كانت اسماءه، ويصير الأمر صالحاًً لتنفيذه بعد كل هذه المخاصمة بواسطة النائب العام وهذا المارثون الطويل الذى قد يمتد لسنوات تزيد على أصابع اليد الواحدة يأتى النائب العام نفسه ليصير حكماً فى التنفيذ.. فيه الخصام وهو الخصم والحكم!!
إن المادة «231-1» التى هى محل التعديل وبعد ان تحدد أجلاً للتنفيذ فى مواجهة الحكومة وعند انقضائه تستعمل السلطات التى يخوِّل القانون إستعمالها لها بحسب المادة «232» من القانون التى تطلق يد المحكمة فى استعمال بدائل الجبر المتاحة لها لضمان النفاذ والتى حددها القانون بتسليم المال المحكوم به، او حجز المال وبيعه، او القبض على المحكوم عليه ووضعه فى السجن، او بتعيين حارس، وذهب أبعد من ذلك بان توسع واتاح لها إستعمال أىة كيفية اخرى تراها المحكمة، المتأمل فى هذه البدائل يجد انها غير متاحة لغير المحكمة والتعديل قد تم اصلاً لتفادى اعمال اى منها او دونها حتى. المادة «235» من القانون تتحدث عن منازعات التنفيذ اى تلك التى تنشأ فى أثنائه مثل الاستشكال ونحوه وهو ظهور شخص ثالث غير الخصوم فى الدعوى بعد الفصل فيها ليدعى حقاًً هو له وهو ليس طرفاًً فى الاجراءات كأن تقام الدعوى بالإخلاء فى مواجهة رهط من المدعى عليهم ويظهر شخص بالقول بأنه مستأجر من الباطن بعلم المالك وموافقته فتقوم المحكمة فى هذه الحالة بالفصل فيها بما يشبه للدعوى فماذا ترى النائب العام فاعلاً بهذا؟ ايعيدها للمحكمة لتفصل وتعيدها إليها وإذا ارتبط التنفيذ فى مواجهة الحكومة بمثل هذا المستشكل لتقيم التنفيذ فى مواجهته؟ وما هى آليته ووسائل جبره التى يستعملها فى مواجهة الحكومة او المؤسسة الحكومية حين رفضها الامتثال لما يطلب منها؟ أليس هذا ضرباً من التحدث بحكم لا نفاذ له كما ورد فى رسالة سيدنا عمر بن الخطاب الى معاذ بن جبل فى القضاء التى تعتبر عماد قانون الاجراءات الاسلامى والاثبات هذا غير ما احتوت من مسائل أُخرى وذلك لانعدام غيرها.
إن من الآثار السالبة لهذه المادة هو تأثيرها على قوانين تشجيع الاستثمار والمستثمرين الاجانب ان اعتاد أبناء وطننا من الحكومة هذا وغيره، وذلك لانها تحمل لهم فى طياتها الاشارة بأنه ليست هنالك مساواة امام القانون او ان كانت فهى ليست حقيقية ولا سبيل لمخاصمة الحكومة وأجهزتها والاستعانة عليها بالمحاكم فهى غدت الآن أعجز من أن تعين بموجب هذا التعديل.
وردت فى قانون المعاملات المدنية وفى المبادئ الواجب الاسترشاد بها عند تطبيق القانون "إن مطل الغني ظلم" والحكومة غنية بما لديها من موارد وبما تقوم به من جبايات وزيادات كما تشتهى، ولقد وفَّّر لها السلام القادم مالاً لبداً، فعدم الايفاء بالسداد فوراًً او تأجيل ذلك أو إسناد ذلك للنائب العام أو لاحد اجهزتها لهو ضرب من المطل وهو مطل الغني الذى هو ظلم، ولقد قال الامام ابن تيمية: "ينصر الله الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الظالمة وان كانت مسلمة فهل تأملنا جيداً مقولته واهتدينا بها؟؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق