الخميس، 10 ديسمبر 2009

السودانيون والمنافي «1,,

السودانيون والمنافي «1»

مبحثٌ فى ثقافةِ الغربة او غربةِ الثقافة..!! «أميركا نموذجاً»
نجم الدين محمد نصر الدين
إن ابناء الشعب السودانى باختلاف طوائفهم وسحناتهم والوانهم، لم يعرفوا الهجرة خارج اوطانهم وتحديدا الجماعية منها، على النحو الذى شهد الناس ومازالوا يشهدون منذ تسعينيات القرن الماضى، فكان الخروج الكبير الذى سبقته بالطبع هجرة بعض العقول الى دول الخليج العربى والمملكة العربية السعودية، تلبية لحاجة هذه البلدان للعمالة الماهرة المدربة ذات الخبرة، فكان جلهم يسافر بعقود عمل مبرمة مسبقا جلية الشروط وواضحة، فيما كان يشكل للبعض اختيارا واتاح لهم فرص البحث عن البدائل الافضل، فكانوا فى هذا غاية فى التميز والتفرد، الشى الذى اكسبهم سمعة جيدة وصيتا حسنا، فكانوا سفراء حقيقيين لبلدهم، ونموذجا يحتذى، ومثالا يسعى الآخرون لاتخاذه. وللمماثلة والقرب الجغرافى ووحدة الثقافة تقريبا او طفيف الاختلافات بينها، فإن الامر لم يشكل ارباكا كبيرا لهم، هذا بجانب امكانية العودة الميسورة فى الاجازات ومواصلة الارتباط بالوطن وهموم اهله وشجونه، ومواصلة تقوية النسيج الاجتماعى، بجانب المردود الظاهر والاثر المادى الذى تتركه هذه الغربة فى حياة المغتربين واهلهم، مضافا اليه امكانية اللقاءات بين الكل فى الحج او العمرة او الزيارة، فى غير شكل التواصل العسير مع من هم فى المنافى البعيدة وأركان الدنيا النائية القصية، سبقت كل هذا بالطبع الهجرات المبكرة لبعض ابناء الشمال النوبى «البرابرة الكرام الذين تعلموا عمل الطبيخ وعلموه الناس» كما قال الاستاذ الشاعر البنا مداعبا أحد تلامذته الذى جهد لالباس آبائه وأجداده مجدا غير هذا، ولقد كان ترحالهم طرقا لابواب رزق لم يطرقها غيرهم من ابناء وطنهم، و كانوا أى «السودانيين عموماً» لا يطيقيون لبعضهم فراقا حتى داخل السودان. ولعلى استعيد جيدا كيف كان الناس يستعدون للرحلة لحج البيت حينما يستطيعون اليه سبيلا، باعتباره احد أركان الاسلام التى لا محيد عنها بالنسية للقادرين قدرة مادية وجسدية، ولعلهم كانوا «يتقدرون» حال ضعف قدرتهم، ولا يتركون بابا لا يطرقونه ولا حجرا لا يقلبونه بحثا عن وسائل لاداء هذه الشعيرة، التى يعتقدون ان عدم الايفاء بها يخرج من الملة، لهذا فإنه لا تقر لهم عين او يهدأ بال قبل القيام بها، فيكون الاعداد المبكر الطويل ونحر الذبائح وإقامة ليالى المديح والوداع الحار المتأجج المصحوب بالبكاء حينما يحل اوان السفر، وعند الاياب اكثر مما كانوا يفعلون عقب العودة من المتحركات، اذ انهم كانوا يزعمون انهم بعدم استشهادهم يكونون قد هزموا الغرض من الغزو وحديث النفس به، وانهم قد يموتون ميتة جاهلية، فلذا كان الحرص كله كأنما الموت هنالك غاية فى حد ذاته، وليس ضرورة اواحدى وسائل منازلة الاعداء «بلغة الحرب».
وجهدت الجبهة القومية الاسلامية آن رتقها حثيثا لافساد الديمقراطية الثالثة، وهى بعد بنت ثلاثة اعوام، استغلالا لها للاجهاز عليها، فهم بها دوما يضيقون، وبالانفراد والشمولية دوما يحلمون، وهذا مبلغ سعيهم ولقد كان ولا يزال، بل تفاقم واستفحل بعد ان جربوا الانفراد بالسلطة وذاقوا خمرها واغرقوا فيه، واصابهم سكرها وترنحوا منه ولا يزالون عصيين على الفطام، بل زادوا بها هياما وما انفكوا يهيمون، فهجموا عليها هجمة وحشية شرسة لم يعرف الناس لها مثيلا قبلها ولا اخالهم بعدها سيعرفون، لتغير الظرف العالمى فى مجمله، فلم يوفروا سبيلا لتوطيد دعائم نظامهم المعزول عن الجماهير واشواقها وأمانيها فى الحياة الحرة الكريمة، وبدلا عن هذا اعملوا آلاتهم فيهم قطعاً وتمزيقاً وإقصاءً ونفياً وتشريداً وفصلاً وجوراً وعسفاً، وبيوت أشباح وظلمة وظلامات.. راكموا واختزنوا تجارب السابقين من الانقلابيين واحتاطوا لها تفاديا لتكرارها، تشتت شمل النقابات والاتحادات ووهنت شوكة اهلها، فخرجوا افواجا زرافات ووحدانا بحثا عن امن وقوت، فجربوا اللجوء السياسى الباب الاوسع وتم التدافع للخروج بواسطته. وسوف نبدأ به هذا المبحث ثم نعرج على غيره من أبواب لاهميته، والذى ما عرفوه يوما او عرفوا ثقافته او خبروه، فبرعوا فيه وتفننوا فلم يبق سبيل الا تنكبوه او ارض الا قطعوها، فصرت تجدهم في اى مكان تنشدهم فيه، مما تتصور او لا تتصور انهم فيه مقيمون وكائنون.. انه آن الحديث عن الهجرة والمهاجر، فإن الذاكرة تستدعى ايام الطلب الاولى فى بواكير الكتاتيب وشعراء المهجر إيلياء أبو ماضى ومن لف لفه، وتنهال رائعته التى صدح بها الراحل العميد احمد المصطفى «زعموا سلوتك ليتهم نسبوا الى الممكنا».. العامرة والضاجة بالصور المشحونة بالمغالاة فى قبول ان ينسب له من المنكرات امرها واقساها واشقها على النفس... والتى كلها دون أن يتهم به او يؤثر عنه سلوانه لوطنه الذى ظعن منه، ليهاجر بحثا عن ظروف افضل تتهيأ خارجه، ليؤكد أنه بداخله كامن كمون النار فى العود كما قال الشاعر القديم، فكيف بحال من دُفعوا دفعا وارغموا إرغاما وانبهمت دونهم السبل ولم يبق الا مفارقة الوطن والاحباب ومراتع الصبا والطفولة من محيص، وبعدها انفتح الباب واسعا حتى لمن ضاقت أخلاقهم بالبقاء فى الوطن جريا على قول الشاعر الآخر «لعمرى ما ضاقت بلاد باهلها .. ولكن أخلاق الرجال تضيق».... فإن سألت حينها لاجابوك بأن البلاد قد ضاقت بهم حقا عقب بيان الانقاذ الاول، واتضاح طبيعتها التى سعت جاهدة للتستر عليها أول أمرها، واللجوء لطرائق عددا ايسرها ان يتيسر لك الحصول على قسيمة او تأشيرة دخول الى بلد اللجوء مباشرة وهذه اخف حالاته، ولم تكن متأتية للخصومة التى تولدت بين الانقاذ واغلب الدول المستضيفة للاجئين المانحة للجوء الا لمجموعات ليست بالكبيرة اول الامر ، بعدها غدا التقديم بالجواز السودانى لطلب زيارة لاى من هذه البلدان ضرباً من الاستحالة او الاستحالة بعينها، لاتقبل فى هذا شفاعة أياً كانت الا ممن هم غاية فى الحظوة والطالع الحسن. أما المنفذ الآخر وهو الذى طرقته اعدادا مهولة ممن التجأوا فى مظان ذلك، فيمر بالخروج عبر بوابة دولة اخرى مجاورة ليست بأفضل حالاً من بلدنا، ليتم التقديم لمكاتب الامم المتحدة «مكاتب المفوض السامى للاجئين» فى هذه الدول الوسيطة، ويطول المكث فيها فى اعم الاحوال، فى ظروف توصف فى احسن احوالها بانها صعبة غاية فى الصعوبة او ادنى للاستحالة، لامد مديد وقد يمتد من السنوات للعديد، يعانى فيها الناس الغربة والهجران وشظف العيش وذل السؤال ومنة البخلاء، ويظلون هكذا يطاردون سرابا بقيعة ويسألون إلحافا، يعمل نذر منهم فى اعمال هامشية مزاحمين اناساً يشكون اصلا العوز والفاقة، ويطلب البعض الآخر الاعانات او الاغاثات إن شئت من أهلهم وذويهم فى اجزاء الخليج وغيرها، يقتاتون بالامل فى ان تصدر إيماءة أو إشارة أو تلوح بارقة بأنه قد انفتح لهم طريق الخروج الى المنفى العريض، وتبدأ رحلة متاعب اخرى، وعلم مدى هذا الانتظار واجله مما لا ينفرد به احد منهم، فالدول المانحة والمتفضلة هى فقط التى تحدد دون سواها وليس ثمة خيارات، فما امامهم سوى المجهول منعدم العمق والعصى على الاخبار بمداه وحجمه، وما يتسقطونه من أخبار وعكس لتجارب من سبقوهم على فرديتها وتناقضها هو وحده المتاح والممكن الاحاطة به، فيزيد الامر ارباكا وتظل غبطة الآخرين لهم هو ما يحفزهم، والامل السراب هو ما يغذ سيرهم الطويل، فتحتضنهم المهاجر ويتفرقون فى انحائها، ويسعون جميعهم وفى لهاث للتأقلم على حياتهم المقبلة ودنياهم الجديدة، وشيئا فشيئا يفيقون من صدمة الانتقال من عالم الى آخر مختلف جدا، فيتشكل لدى معظمهم شعور بالتأرجح يتفاوت الاحساس به خصوصا لمن لم تتجاوز مواطئ اقدامهم ارض الجدود والآباء، إلا الى دولة المعبر، فما اعظم الفرق وابعثه على الادهاش، ويشرع بعضهم ممن لم تكن له ادنى صلات بساس يسوس أو أهلها، فى الاهتمام بها مرغما اخانا لا بطل. ولقد سعت المعارضة بالخارج والداخل وفى إطار كيدها الدائم للانقاذ «المتبادل بالطبع»، الى مساعدة هؤلاء جميعاً، للكيل لها والسعى لإظهارها بمظهر النظام الجائر المتعسف المتسلط على شعبه القابض على أنفاسه الفاعل به الافاعيل، المعادى معاداة تامة وشاملة للانسان مطلق الانسان ولحقوقه المكفولة بموجب المواثيق الاممية المنصوص عليها فى الدساتير جمعيا فى العالم الحر «الاول والثانى» بالضرورة، وخصوصا لإنسان السودان، من أمثال هؤلاء الذين يعتبرهم طابورا خامسا ومحرضا اولا للغرب عليه، بل من عملائه الوالغين فى العمالة، فكان الدعم والمعاضدة غير المشروطتين اللتين وفرتهما وبسخاء المعارضة الخارجية بالقدر الذى يمكننا من حسابه لها، ولقد تمثل ذلك فى إصدار شهادات العضوية غير المؤكدة فى معظم الأحيان، لتقادم العهد وطوله، ولانعدام مثل هذه المضابط اصلا لدى احزابنا لافتقارها جلها للتنظيم، والاعتماد فقط على الذاكرة الجمعية وموروث العشيرة والقبيلة او الطائفة لدى الاحزاب التقلدية، مشفوعة بالتزكية وتأكيد المعاناة والموقف من الانقاذ. وهكذا وبعد ان جرب الناس نجاح اهلهم وذويهم واصدقائهم فى اتمام هذا العبور، تقاطروا زرافات ووحدانا واسراً باكمالها وتكدسوا جميعا فى دول الممر التى هى دون الجنة الآمنة -Save Heavens- كما هى معروفة فى أعراف اللجوء السياسى، وهى تلك التى قد تعقب دولة التوقف الاول، وتقصر عن ان تكون هى المبتغى النهائى او المكان الذى يُحلم بالاستقرار والاقامة فيه، مثل ان تكون محطته الاولى هى قاهرة المعز التى قد يحمله قطار الحظ منها الى مدينة الضباب، ولكن غايته هى واشنطون، فبدلا من التقدم بطلب اللجوء هنالك، فإنه يسعى لتوفير ذلك حتى تحط رحاله في ما حلم بالعيش فيه من بلاد، فإنه يمتنع عليه فى هذه الحالة فعل ذلك، رغما عن ان هذا يتم التقرير فيه بعد اجل وامد من التقدم بالطلبات والحق المكفول بالاستئناف حال رفض ذلك، مما يستتبعه تبصير المتقدم والمستأنف بحقوقه، وتوفر فرص اخرى بالنسبة له للإقامة فى مثل هذه البلاد: كالزواج باحدى مواطنى او مواطنات البلد «بحسب الحال» لأن ذلك بالنسبة لهم «على الاقل للاميركيين» يندرج فى الحق فى السعادة المكفول بموجب الدستور وتعديلاته، وغيرها وخلافها من طرائق، وهى عديدة وممكن بواسطتها تحقيق هذه الغاية او الحلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق