| لسودانيون والمنافى أميركا نموذجاً |
مبحث في ثقافة الغربة أو غربة الثقافة «5»
إن واجب ارباب الاسر المقدم على غيره، هو كما اسلفنا تدبير امر المعاش بكل وافضل ما هو ممكن ومتاح له ولهم من خيارات ليست دوما هى الاحسن ولا الانسب حتى، والسبب فى ذلك هو ان الخروج يكون قسريا وبغير الخواطر ان كان لجوءا او استقداما مشابها له ، وهو فى الاحوال جميعها سوف يكون بعيدا عن تلبية الرغبات وفقا لما يحلمون به واعتادوا عليه من سعة وإختيارات على النحو الذى كان يجرى هنالك، فذاك عهد قد تولى وادبر بغير رجعة، والانقاذ فى تسيدها وتفردها وعين افعالها القديمة التى درجت على اتيانها وسلوكها والموانع والحواجز هنا كثيرة ، اولها حاجز التخاطب ولا نقول اللغة فللناس هنا إن أحسنا الظن انجليزية ذات جرس مختلف ورطين، وألسن متابينة فى النطق يتمسكون معه بما يرون هم الانجليزية الصحيحة واجبة الاستعمال دون غيرها من سواها ، ولا يعرفون لهذا بديلا ويضيقون بك الضيق كله ان لم يكن فى حديثك بعض مواكبة ومجاراة فى ذلك تعينان على التواصل ولو كانت ارومتك سكسونية قحة ، فهذا من اول ما تصطدم به ، والثانى وهو انه والى حين سوف يظل مفتوحا امامك فقط باب الاشغال والوظائف اليدوية او تلك لذوى الياقات الزرقاء وليس البيضاء، فذاك باب آخر تحتاج وقتا وتأهيلا فى اغلب الاحيان لولوجه اسفل الطريق، فعلى رسلك ومهلك وانت فى اوله، فخلافا للاطفال الذين تستغرقهم الحالة استغراقا تاما وتستوعبهم لتنوعها، ورغما عن شكواهم التى ان ما يشرعون فى تبادلها ونشرها وتعميمها وهى الحديث: عن الملل الذى يصيبهم تأسيا بالامريكيين الذين رغما عن اى شئ وكل شئ يبدأ الاطفال عندهم بالقول ان الامر غاية فى الاضجار- Boring- ان توقف ايقاع الحركة دائم الاتصال والدوران، فهم شديدو البحث عن الاثارة و«الفن» Fun بالانجليزية هو التسلية والاضحاك والتسرية وليس الفن بمعناه الآخر المعروف ، وهم فى حالة هجرة وسفر متصلين بحثا عن هذا النوع ، وهو فى عميم الاحوال بالبراءة كلها، فالاهم هو وجوده بالنسبة لهم، والناس يكثرون من مشاهدة افلام الحركة والعنف ويدمنون متابعة ذلك ومع غيره وبشكل اساسى وكبير، الامر الذى يقودنا الى الحالة نفسها التى يعانى الآباء وبقية افراد الاسرة من العائشين بالمنافى منها، اى منقلب ينقلبون واين ترسو سفائنهم، وهل تتمدد حالة التمزق فى نفوسهم وتظل قلوبهم معلقة هناك بعيدا شرق الاطلسى، ام تحط الرحال فى مراسٍ وجودهم المادى ، وتظل البدايات نحتاً للصخر بالاظافر ومحاولة متصلة لتوطين الاوضاع فى عمومها، ولا توجد حلول سهلة لمشاكل كبيرة، هذا في ما يتصل بالارتباط بالجذور والثقافة والتواصل السودانى السودانى، وهل يكون بديلا للتمازج مع بقية الاقوام والعرقيات؟ ام ان يكون قصرا لانفسهم على بنى جلدتهم من ابناء وطننا حتى لو لم يتعد الامر- لعب الورق وشرب العرق- إسوة بما كانوا يفعلون فى السودان؟ وهل يكونون لبعضهم عونا كما يصنع جزء من الاقليات العربية؟ ام يكونون بعضهم لبعض للدهرعليهم معينا؟ هذا إذا وضعنا فى الاعتبار والحسبان تخلى دولتنا السنية الكامل عن معاونة مواطنيها هؤلاء، اى ضرب منه بل ذهابها اكثر من ذلك فى معاداتهم وكيل التهم لهم لا يثنيها عن ذلك شئ، فالدولة من اعلى الى ادنى مسؤول فيها لا يعرفون كم هو عدد السودانيين الموجودين بالمنافى عموما فى جملتهم، وكم هو عدد من يقيمون فى اميركا منهم، وهم الكثرة الغالبة فى الدول الغربية إجمالا، فالواضح انه لم يتم إحصائهم عدا، مما يصير معه الباب مفتوحا للتقديرات والتخمينات، ولا يوجد ما يحملها، اى الحكومة الانقاذية، للتعامل معهم، وكل ما تقوم به تجاههم هو إصدار تأشيرات الدخول لهم ولذويهم، وتحصيل الرسوم والجبايات، دون ادنى حد من حصرهم ومعرفة اماكن وجودهم والتواصل معهم على المستوى العام، بالسعى للوقوف على طبيعة مشاكلهم والعمل على حلها وتكوين وزارة لذلك، فما اكثرهم فى المهاجر، ان من اكبر هواجس واسباب قلق القادمين الى هنا لهو الانتظام المبكر فى حياة كاملة، فبخلاف العام من فهوم، فإن الاصل هنا ان تتاح فرص العمل اليدوى غالبا، وغير ذاك المعتمد على المهارات والمعارف والخبرات خصوصا الفنى منها، الا بعد حين ونثر كنانة وعجم عيدان، لتحديد ايها يرمى بها ماذ؟أو يجد القادمون فى هذا اول امرهم العنت كله والمشقة او ما يحسبه بعضهم هوانا وتعريضا لذلك في ما هم عنه فى غنى، لولا الانقاذ التى يكيلون لها اللعنات صباح مساء باعتبار انها قد أوردتهم هذا المورد او ذاك، بالتضييق عليهم وفصلهم وتشريدهم وحملهم على الخروج من اوطانهم والقذف بهم فى اتون بحر لجى متلاطم بلا قرار. ان امر تدبير اجرة المسكن خصوصا فى المدن الكبيرة لهو شئ غاية فى الارباك واستنفاد الطاقات، وللناس فى هذا امثال مثل «كان جريت جرى الوحوش غير «رنتك» اى اجرة المسكن ما بتحوش» فى تحريف للمقولة المنسوبة لنبع الحكمة الشعبية الوافر الشيخ فرح ود تكتوك لمن لا يعرفونها وهو القائل: بانك لا يمكن لك ان تتجاوز ما هو مقدر لك ومسطور فى كتاب مبين، حاثا على عدم اللهاث خلف الدنيا وجعلها اكبر همنا، فبالنسبة له فإن الاشياء تمشى بقدر، ويستعملونه هنا للتدليل على الاهلاك الذى يصيبهم به امر تدبير الاجرة. والعمل لا يوجد بصورة معقولة الا فى المدن الكبيرة، حيث الايجار الباهظ ولكل شئ ثمنه، والشركات او الافراد اصحاب العقارات على قلتهم لا يعرفون اعذارا او اعتذارا وفقا لما يجرى عندنا، ففى حال الفشل يكون الاخراج من العقار وقفل الطريق امامك لاى اجار آخر قادم، اذ ان المعلومات عن المستأجرين سهل ومبذول انسيابها لجميع ملاك العقارات موضوع الايجارة ، فلا يمكن وأسوة بما يحدث بالنسبة لنا، ان تقوم بتغيير المالك والعقار لتتفادى الوضع الناجم عن الفشل فى الايفاء بالاجرة، فالنظام التعقادى يشكل حماية مشتركة لجميع الملاك، هذا علاوة على الاضرار الذى يحدثه على نظام الائتمان Credit system الذى تحتاجه فى كل خطوة تخطوها، وهو نظام محكم ودقيق ومترابط غاية الترابط ، وبدونه تغدو الحياة صعبة بقدر يسرها حين الالتزام به، ويتم بناؤه بأخذ المزيد من الديون والالتزام الكامل بسدادها فى آجالها المضروبة للسداد، او التقدم بطلبات لارجاء السداد مع التوضيح الكامل والتسبيب المقبولين، اذ يمكنك شراء كل الاحتياجات بتقسيط غاية فى اليسر من جهاز الاستريو الى الامتعة المنزلية الى السيارة الى المنزل نفسه، الى قروض تمويل الدراسة، رغما عن ان الاخيرة فيدرالية ومتاحة للمقيمين الشرعيين، الا ان تحصيلها عائدة مع قليل فائدة يتم بالحزم كله، استقطاعا من المرتب حين الاشتغال، وهو دين لا يسقطه حتى إعلان الافلاس الواقى من بقية الديون، ولكن يمكنك اخذ كل الاموال التى تحتاجها الدراسة بالغة ما بلغت وفى اى مجال او تخصص، ان الاعمال الممكن الالتحاق والاشتغال بها، هى تلك المتصلة بحراسة المبانى المكتملة، او تلك تحت الاكتمال والتشطيب وقيده، او الاشتغال بطلمبات الوقود، او الاعمال اليدوية بالمصانع، او اعمال التوصيل، او قيادة التاكسيات او الليموزين وغيرها، او العمل بالمطاعم والكافتريات والفنادق والمتاجر، او تعمل ناطورا فى مسكن او مكاتب. وهذه الفرص من نعماء اميركا مقارنة باوروبا، اذ تنعدم فيها تقريبا ان لم نقل أنها اندر من لبن الدجاج هنالك، وهى تتيح للقادم الجديد ان يخطو اولى خطوات مشوار غربته الطويل ليروض نفسه على مثل هذه الاعمال والقبول بها ابتداءً، الشئ الذى يورثه قلقا وازعاجا وإرباكا لحياته يبدأ تدريجيا فى الانتهاء حين الابدال بوظائف اخرى اكثر تناسبا معه ومع مؤهلاته المكتسبة هنا فى المهجر، او تلك التى قدم بها، مع ما يضيف اليها مما هى فى حاجة اليه من زينة او إكمال حواش وزخارف، بالمزيد من الدراسة او بالجلوس لامتحان او نحو ذلك من إيفاء باية مطلوبات اوشروط، وتظل دوما الدراسة هى الخيار الافضل والانسب فى جميع الاحوال. ولتفادى ضغوط الاجرة ونحوها، فإن هنالك بدائل تتمثل فى السكن فى الفصل الثامن المدعوم «برامج الاسكان والاعمار الحضرى» والذى هو فى الكثير من الولايات، بجانب برامج الاسكان الاخرى، والذى يمكن ان يكون الايجار فيه صفرا فى حالة عدم القدرة او عدم الاشتغال، او الانشغال بدراسة او ما فى حكمها، والقصد منه هو إعمار المناطق التى تفتقر إلى قاطنين يقومون ببعث الحركة فيها والحياة والعمل على الاحياء، خصوصا فى البرارى الباردة الشاسعة المكسوة تماما بالجليد اوان الشتاء الطويل، والتى لا يجد معظم الناس فى انفسهم ميلا لسكناها، خصوصا اولئك من ذوى الاصول الافريقية الذين انضجتهم الشموس، هذا رغما عن ان الاميركيين عموما قوم يترحلون ولا يربطهم بالمكان الواحد ذلك الرباط الذى يشدنا ويحكم وثاقنا من المهد الى اللحد، اذ ان الفرد منهم يمكن ان يمتد انتقاله الى عدد من الولايات بقدر ما تقتضى ظروفه، وهنالك الكثير من اسر المهاجرين التى استفادت من مساكن الدعم هذا، بحيث تمكنوا من الدراسة المفضية لتغيير الوضع برمته لصالح تحقيق احلامهم فى الارتقاء فى السلم الاجتماعى، بان تولوا وظائف من تلك لذوى الياقات البيضاء، وتحسنت دخولهم بشكل معقول ليصيروا اسفل الطبقة الوسطى، ويتمكنوا بلغة الاعلام الاميركى وآلته الضخمة من تحقيق الحلم الاميركى كما يطلقون عليه بالانجليزية The American Dream? فى جنة تحقيق الاحلام بالتجنس والدراسة، والحصول على وظيفة وامتلاك منزل بالتقسيط عن طريق الرهن وسيارة او اثنتين، ومركب صغير ودراجة بخارية الخ القائمة. وهذا الرفاه المادى هو ما يشكل هوسا وهاجسا للكثير من المهاجرين الى هذه البلاد، لذا فإنهم يعتبرون هذا ذروة النجاح واعلى قممه ان يكون هذا المهاجر القادم من الفجاج النائية القصية قد افلح فى إصابة هذا التفوق وتأكيد القدرة، ويقولونه بالجزالة والطرب والنشوة التى لا تدانى المؤكدة لهذا الانتصار والاختراق لهذا الحاجز السميك. او ليست هى ارض الفرص ؟؟ولقد قامت منظمة هابيتات - Habitat- والتى يقوم عليها الرئيس الاميركى الاسبق جيمى كارتر وهى ذات صلة بالامم المتحدة، وكاختصار لطريق هؤلاء السالكين فى مدارجه ببناء منازل كاملة بقرض ميسر وتكلفة احتياجات تم شرؤاها من المال الذى تتولى احدى المنظمات او المؤسسات او الكنائس جمعه، ليغطى قيمة الاحتياجات المباشرة المطلوبة وجزءاً من تكلفة العمالة الماهرة المدربة المتخصصة، اما البقية فتتم تغطيتها بالشراكة بالعرق والجهد الذى يقوم به اهل المنزل ممن هم اكثر من ثمانية عشر عاما، اذ يتعين عليهم التبرع في منازل آخرين بهذه الساعات «خمسون ساعة لاى منهم» لكى يعوضونهم لها، علاوة على مساهمتهم. وهكذا ان ما يقوم الصرح ويتم سداد قيمة ارضه من المبلغ الذى يتم جمعه والتبرع به، ولقد قامت النساء منفردات ببناء عدد من هذه المنازل لا يعاونهن من الرجال احد، حتى المهام الفنية الموغلة فى ذلك، لكى يقال انه جهد نسائى خالص، ويقوم اصحاب المنزل بعد استلامه، فقط بسداد خمسمائة دولار شهريا حتى كمال الايفاء بالمبلغ الذى يتم تدويره لآخرين، لتظل هذه الشعلة متقدة مسرجة، وهم لا يدفعون بنسا واحدا كفائدة، فهو قرض بلا فوائد واقل ما يمكن سداده من مال لقاء توفير منزل فى هذه الدنيا الجديدة، وهكذا عودة الى النفير الذى كان الناس عن طريقه يشيدون وبواسطته غرفة العريس منزل الزوجية.. فتأمل ...فهل من سبيل الى عودة مثل هذه الجماعية والمشاركة والتعاون الخلاق الى حياتنا ثانية؟ بدلا مما نعانى ونشهد الآن من تشرذم وذهاب ريح تشتته وتفرقه، وهذه احد اوجه الصورة الاخرى لاميركا الرعب والخوف وانعدام الامن وقسوة المجتمع الرأسمالى المبنية فيه الاشياء على المال والدولار والكسب مهما كانت طرائقه وسبله، وصعوبة الحصول على خدمات غير مدفوع أجرها من اى نوع، وكيف يتأتى لبعض غير القادرين العيش فيه؟ وهل هو طحن محض لهم بلا هوادة ولا رحمة ولا مساندة رسمية او شعبية؟ او بين ذلك قواما؟؟ وهذا ما سوف يتم تناوله فى الحلقة القادمة اكمالا لما بدأناه حول هذا النفير وغيره من المعينات على هذا الاغتراب، وذلك المنفى والى اللقاء القادم.
والاميركيون لا يقبلون اجمالا الشهادات غير تلك الصادرة عن جامعاتهم وكلياتهم ومعاهدهم، ولو كانت صادرة عن مؤسسات غربية موازية لمؤسساتهم، ولا يثقون اية ثقة فى شهادات مكمل بعضها ببحوث لم يشرفوا عليها، ان قبلوا تلك المنبنية على الامتحانات، هذا فوق ضيقهم البين بالتحدث حتى بإنجليزية غير تلك التى عرفوا ويألفون في ما تم تحويره بواسطتهم، ووصف ذلك بالانجليزية الاميركية، والا لوصفوا المتحدث بانه من ذوى اللكنة - Accent - المؤكدة لاميركيتهم الباعثة على عدم القدرة للتواصل معهم، حتى ولو كان انجليزيا أصليا صميماً، فبعض اللطفاء منهم يطالبونك بمخاطبتهم كتابةً وإلا اداروا الظهر بالكلية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق