الخميس، 10 ديسمبر 2009

وانفرط عقد الجلاد ليتم نظمه بعد الحفل



وانفرط عقد الجلاد ليتم نظمه بعد الحفل

مجموعة عقد الجلاد الغنائية وثيقة صلاتى بها، خصوصا الروحية منها، أتوا الى مكتبى وعقد تسعينات القرن الماضى فى أوله، طالبين النصح القانونى والذى يتمكنون بواسطته من خلق كيان ذي صفة تتيح لهم العمل وفقا للسائد من نظم والتزاما به، كان نقاشا ثريا وثرا وعامرا يفيض بالشفافية ووجوب تقديم جيد الفن على الكسب المادى. وانهم يتصورون انهم حملة رسالة يستحيل معها جعل جمع الاموال اكبر همها.
بدأت بداية قوية وولدت باسنانها كما يقولون. ومازجت بين الاداء المتميز والذى كان ولايزال من التميز فى غاية، كما توفقت فى اختيارها لما تقدم من مواد. والذى كان مزيجا من قوى الاشعار وارصنها وتفردها جميعاً بانها جلها من السهل الممتنع، الذى ينفذ الى القلوب نفاذ الشعور بالارتياح. ويسرى فى النفوس سريان البيانو الى الروح، هذا مع اشتمالهاعلى الحكمة والموعظة اللطيفة والرسالية الكاملة. وتكريس الوعى بقضايا من لا آبه بهم وبآمالهم وأحلامهم فى الحياة فى عالمنا هذا، متدرجا ذلك من رقائق الشيخ البرعى وموعظته الحسنة الهينة اللينة، المرفوعة فيها الوصايا والمنزوعة عنها القوامة ما افتقده الناس دهرا، هذا مع الحض على مكارم الاخلاق وكريم الفضائل، مترافقا كله مع الاداء الجماعى والذى هو بلا نظائر، مما سهل حفظ كل ما يصدحون به على آلاف الشباب والايفاع ممن يرتادون الحفلات الحية والمداخلات الغنائية والمهرجانات التى دأبت الفرقة على إقامتها. والمنتديات والفعاليات الثقافية التى تشارك فيها، آلالاف الذين لا يعدون على أصابع اليد الواحدة فى نشوة غامرة يرددون مع الفرقة كل ما تقوم بادائه، حتى اشعار القدال ومفرداتها العامية الصميمة العصية على النطق، دعك من الحفظ بالنسبة لهذه الاجيال مع بساطتها، مما ساعد فى ردم الهوة الثقافية لهم، عرفوا تور عفين الشين وزرقاء اليمامة والشجر «تالاها» بقدر معرفتهم بقصع الجرة والسعية والحلب .. وابو السرة واليانكى ... والبطن التفوفى .. والممطورة التى لا تبالى من الرش وباب السنط الذى لم يشاهده الكثير منهم والريكة والنفاج من محجوب شريف وطهارة الجنان بالاذكار ورد الحقوق على عجل ولو انها كانت «مساويّكا» وحفظ حقوق من يعلوك منزلةً او كان دونك او اضحى مسّاويكا. وتقبيل قدم الام والتبرك به وحذر عقوق الوالدين والبر بهم املا فى بر الابناء، عرفوا كل هذا اكثر مما عرفوه فى اى مكان آخر من الشيخ عبد الرحيم وقيع الله. وهموم حاجة آمنة ومن تمثل همومهم على كثرتهم فى عصر الخصخصة هذا، من عز الدين هلالى واحلام نورا المشروعة بكل دلالاتها الظاهر منها وما بطن، تفانيها وايثارها على نفسها مع الخصّاصة من حِمّيد، والاهلية التى كملت. وراحت وشمس المحنة التى غربت طاحت من الشاعر الفذ محمد ود الرضى الذى الفها وهو ابن ثمانية. ولحنتها جدة احد اعضاء الفرقة، فكم مدهش هذا المزيج والتباين والاشباع الروحى الذى ينعم به الكل بلا استثناء، سمع من لم يسمع بالسلطان عجبنا من اشعارابنته عنه. وتم بعث وإحياء من ام در يا ربوع سودّانا وفنجان جبنة بشمالو وبابور حربى بديشو، بابور ماشى طوالى، تزامن كل هذا مع تجاوز المحلية بالغناء لجويدة وعصفور طل من الشباك وغيرها، فنا للحياة حيا نابضا متفاعلا مع القضايا جميعها، متجاوبا مع المتلقى باختلاف طوائفه ولون طيفه، مما خلق هذه القاعدة العريضة الواسعة والتى لا تفتأ تتزايد وتضطرد.
وشد ما يميز اداء الفرقة الجماعية والتنوع والتبادل او (المجادعة ) والمناولة والمردات والكانون والسنكبة والتطريب العالى .. كما يقول اهل الموسيقى هذا مع الصولات التى تتخلل الجماعية، فتخلق حالة من الفن والتنوع. ويكون هنالك موازييك ونسيج متعددة الوانه متداخلة، تبعث على الانشراح فى تناغمها ذاك، الاصوات النسائية الآن اقل مما كانت عليه، فبعض الوصلات التى كانت تؤديها الدكتورة منال متفردة فى غاية العمق والامتلاء، تسقطاً لاخبار المجموعة وانشطتها. والتى احرص حرصاً لا يدانيه حرص على حضورها والتمتع بها.... وعلمت انهم بصدد «تدشين» أو انزال كاسيت «جديد». واستوحش السيد وزير الثقافة عبارة «تدشين» هذه في كلمته التى ادلى بها في مفتتح اللقاء المتواضع الذي أقامته الفرقة مع الصحافيين والاعلاميين. وكنت احد المحظوظين بحضوره، إذ دعاني لذلك الصديق الكبير دينمو الفرقة «الاستاذ عثمان النو». ولقد أتت الفرقة ببادرة توزيع الشريط مع تذاكر الحفل بالمجان تقريباً... أو إدخال الحاضرين بالمجان فالنتيجة واحدة. وعقب قصير الخطب وقليل الكلام .... انتقل الكل الى المحفل ليشهدوا منافع لهم قلّ مثلها ... وسط حضور كثيف لجمهور شفيف درج علي اتيان هذا الفعل انّى سنحت السوانح ... ولاحت الفرص ... وكان بجانب هذا حضور مميز أنيق للصحافة والصحافيين ونفر من الشعراء الذين كان شعرهم وقود استمرار هذه الفرقة المتميز.... من أمثال امير شعراء العامية المحدثين«محمد طه القدال» وشاعر الشعب بلا منازع محجوب شريف... والأستاذ سعد الدين ابراهيم الذي تغنت له الفرقة للمرة الاولى «أغنية حصار» المضمنة مع اغاني الشريط... والمبدع أزهري محمد علي... وابتدأ الحفل بـ «يا ليلة ليلك جنّ.. معشوقك اوه وانَّ.... تلك الانشودة الصوفية.. وتدلت «الانجم السواري» تباعاً... وكان جلوسى وسطاً بين الشعراء محجوب شريف وسعد الدين ابراهيم والشاعر الرحمن القدال والاستاذ شرحبيل وازهري « كنت كخير الامور» الشئ الذي أضفى غنى على ذاك في الحفل ... وغنت الفرقة ... كما لم تغن من قبل... أو هكذا حسبت من طربي ... وكان عيداً قبل العيد... ولقد تجلت نتائج محاولات التطوير المتزايد والمستمر على تجويد الاداء. واستتبع الغناء رقص جيد أشهد مثله وبهذه الطريقة للمرة الاولى، نقل المشهد كاملاً غير منقوص... وتميز كله بالحميمية... وانفرط عقد الجلاد بالفعل وفاح عطره وشذاه وعم المكان ... وتمايل الكل طرباً واهتز، فنحن قوم اذ «طربوا اضطربوا». تم أداء «امونة» للقدال واخرى له عشان عيون أطفالنا ما تضوق الهزيمة. واستخف الطرب بالاستاذ شرحبيل متميز الحضور، فوجه سؤالا للقدال من أين يأتون بهذه الكلمات الرشيقات الغنيات البسيطات...فاكتفى بالابتسام. وقلت في سري من وادي عبقر.. غنيت حاجة آمنة اصبّري التي يؤدي فيها شريف شرحبيل مع أقرانه «صولات» صوتية غاية في التطريب والانفعال، فلم يستطع الأستاذ شرحبيل «صبراً». وشارك في هذه الوصلة مشاركة حيّة ومدهشة... ضاعفت فرحة الحضور وحملتهم الى ذراري من الطرب والمتعة... وتوالى سريان الأنجم ... وانفراط العقد- وانتقال كل ذلك من المكان الذي هو أكثر تركيزاً فيه الى الاماكن التي يقل فيها ذاك التركيز- الى ان تشبع المكان كله - كما يقول أهل العلوم. وتوقف الزمان وكانت العيدية التى سبقت العيد بحق ... ونحن ممنونون للفرقة .. ببعض فرحنا بالحياة .. كما قال محمود درويش .. مع التمنى بألا نشهد ولا نسمع عنها الا ما يسر.
بقلم نجم الدين محمد نصر الدين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق